الأمن السيبراني الانتخابي في المغرب (2): قراءة في المادة 51 مكررة من القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب
حميد بحكاك
الإشكالات والتحديات التي تطرحها المادة 51 مكررة
هذه المادة رغم أهميتها فهي تطرح عدة إشكالات قانونية وتقنية وتنظيمية نذكر منها:
1 صدور هذه المادة في غياب قانون تنظيمي خاص بالذكاء الاصطناعي يوضَح ويفصَل المسموح والممنوع، ودليل تقني يوضح طرق الإثبات الرقمي.
2 يؤدي هذا الفراغ التشريعي إلى إدراج نصوص زجرية داخل القوانين الانتخابية دون تحديد إطار مفاهيمي وتقني دقيق، مما يؤثر ويضعف ضمانات الأمن القانوني والقضائي.
3 صعوبة تحديد هوية الفاعل الحقيقي عند استخدام حسابات وهمية أو خوادم خارج المغرب، وتعتبر مسألة تحديد المسؤولية في مجال الذكاء الاصطناعي من أعقد الإشكاليات القانونية والقضائية.
4 سرعة انتشار المحتوى وآثاره مقارنة بسرعة تدخل السلطات، لأن الذكاء الاصطناعي قد يحول التضليل من عمل فردي إلى حملات منظمة واسعة النطاق يصعب كشفها في الوقت المناسب (أحداث سبتة الأخيرة والهروب الجماعي للشباب، ودور الفضاء الرقمي في ذلك كما ورد في بلاغ وزارة الداخلية).
5 التمييز بين حرية التعبير والنقد السياسي وبين التضليل الانتخابي.
6 تعاون المنصات الرقمية الأجنبية مع السلطات القضائية في غياب اتفاقيات ثنائية.
7 المادة لا تعرَف “أدوات الذكاء الاصطناعي” وهي في تطور مستمر وسريع يتجاوز سرعة التشريع بكثير.
8 صعوبة وغموض معايير إثبات القصد الجنائي في الجريمة الانتخابية والخطاب السياسي الرقمي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
9 صعوبة التمييز بين الفاعل الأصلي والناشر أو الوسيط التقني ومورد الخدمات مما يفتح المجال إلى تأويلات واسعة مع غياب الخبرة التقنية للقضاء أو ضعفها في الوقت الحالي، في الوقت الذي خطا فيه الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق خطوات بعيدة، وأصبح يشكل تهديدا حقيقيا لنزاهة العمليات الانتخابية في مختلف دول العالم.
هل تؤسس المادة 51 مكررة لمفهوم الأمن السيبراني الانتخابي؟
مع تحديث الترسانة التشريعية الانتخابية وإدراج المشرع المغربي للوسائل الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي ضمن الجرائم الانتخابية، أصبح من الممكن الحديث عن منظومة للأمن السيبراني الانتخابي، من شأنها التسريع في وضع إطار مؤسساتي وتشريعي أكثر تكاملاً.
يقصد بالأمن السيبراني الانتخابي (Electoral Cybersecurity) “مجموعة من التدابير القانونية والتقنية والتنظيمية التي تهدف إلى حماية جميع مراحل العملية الانتخابية من الهجمات السيبرانية والتدخلات الرقمية، بما يضمن نزاهة الانتخابات وسلامة بياناتها وثقة المواطنين في نتائجها”، ويعتبر أحد أهم فروع الأمن السيبراني.
كما أن الأمن السيبراني الانتخابي يتقاطع فيه القانون الدستوري (حرية الانتخابات ونزاهتها)، والقوانين الانتخابية، والقانون الجنائي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وكلها تصب في حماية نزاهة العملية الانتخابية ومخرجاتها، من مؤسسات دستورية كالحكومة والبرلمان والفضاء الرقمي الذي تتشكل فيه إرادة الناخب، وبالتالي انتقل مفهوم نزاهة الانتخابات من حماية صندوق الاقتراع والانتخاب إلى حماية البيانات والمنصات والخوادم ومكونات البيئة الرقمية المرتبطة بالانتخابات والمؤثرة فيها، فالأمن السيبراني الانتخابي ليس قضية تقنية وفنية فقط.
وإذا كان الأمن السيبراني يتكون من الأضلاع الثلاثة وهي: الحفاظ على السرية (confidentialité) والنزاهة (intégrité) والتوفر (disponibilité) في ارتباطها بالبيانات والأجهزة والأنظمة المعلوماتية (انظر القانون رقم 5.20 للأمن السيبراني)، فإن الأمن السيبراني الانتخابي يعتبر فرعا له ويتعلق بمراحل العملية الانتخابية منذ التسجيل في اللوائح الانتخابية مرورا بالحملة الانتخابية وانتهاء بالنتائج.
مشمولات الأمن السيبراني الانتخابي
يشمل خمس دوائر رئيسية:
البنية التحتية الانتخابية: كقواعد بيانات الناخبين وأنظمة تسجيل الناخبين، والخوادم الحكومية، ومواقع الهيئات المشرفة على الانتخابات.
الفاعلين في الانتخابات: الأحزاب السياسية والمرشحون، واللجان الانتخابية، المراقبون والملاحظون لعمليات الاقتراع.
المعلومات الانتخابية: اللوائح الانتخابية، نتائج الاقتراع، البيانات الشخصية للناخبين.
الفضاء الرقمي: كمنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والإعلانات السياسية الرقمية وتطبيقات الحملات الانتخابية.
ثقة الناخب: مكافحة الأخبار الكاذبة، التصدي للتزييف العميق (Deepfake)وحماية الرأي العام من حملات التأثير الأجنبية.
المادة 51 مكررة و”الحملة الانتخابية الرقمية”
منذ ظهور الفضاء الرقمي ومكوناته المواكبة للعملية الانتخابية ظهر مفهوم “الحملة الانتخابية الرقمية”، الذي يعكس التحول الرقمي للحملة الانتخابية (Digital Election Campaign).
ويمكن تعريفها بأنها مجموع الأنشطة والوسائل الرقمية التي يستخدمها المرشح أو الحزب أو أي جهة داعمة للتواصل مع الناخبين، والتأثير في الرأي العام، وحشد الأصوات، وجمع البيانات، وإدارة الحملة، عبر الإنترنت والتقنيات الرقمية، وبذلك فهي ليست مجرد نقل الملصقات أو الخطب إلى الإنترنت، بل هي نموذج جديد للحملة الانتخابية يعتمد على البيانات والخوارزميات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
وتشتمل أدوات الحملة الانتخابية الرقمية على:
1. مواقع إلكترونية خاصة بالمرشحين.
2. حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي.
3. الإعلانات الانتخابية الرقمية.
4. الرسائل النصية والبريد الإلكتروني.
5. تطبيقات الهواتف الذكية.
6. الاجتماعات والبث المباشر عبر الإنترنت.
7. روبوتات المحادثة (Chatbots).
8. أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد المحتوى وتحليل اتجاهات الرأي العام.
9. تحليل البيانات الضخمة لاستهداف فئات معينة من الناخبين.
وإذا قرأنا المادة 51 مكررة، يتضح أنها تعترف بشكل غير مباشر بوجود الحملة الانتخابية الرقمية، حتى وإن لم تستعمل هذا المصطلح صراحة، فعندما يذكر النص:
شبكات التواصل الاجتماعي.
المنصات الإلكترونية.
التطبيقات المعتمدة على الإنترنت.
أدوات الذكاء الاصطناعي.
الأنظمة المعلوماتية.
فهو يقر بأن الفضاء الرقمي أصبح فضاءً انتخابياً، وبالتالي فإن الجرائم الانتخابية يمكن أن تُرتكب داخله كما تُرتكب في الواقع المادي.
بل هناك على صعيد التجارب الدولية المتقدمة، انتقل النقاش من الحملة الانتخابية الإلكترونية (E-Campaign) إلى الحملة الانتخابية الذكية (Smart Campaign)، التي تعتمد على:
• الذكاء الاصطناعي.
• البيانات الضخمة.
• التحليل التنبئي لسلوك الناخبين.
• الاستهداف الدقيق (Microtargeting).
• المحتوى المخصص لكل فئة من الناخبين.
وهذا يطرح تحديات قانونية جديدة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وشفافية الإعلانات السياسية، ومنع التلاعب بالرأي العام، مما يقتضي في السياق المغربي التسريع في إصدار تشريعات مواكبة لهذا التحول، وإذا كان المشرع المغربي وضع أسس القانون الجنائي للحملة الانتخابية الرقمية، إلا أنه لم يطور بعد إطاراً قانونياً متكاملاً لتنظيمها، فما زالت هناك قضايا تحتاج إلى تنظيم خاص، مثل:
o قانون خاص بالذكاء الاصطناعي واستعمالاته أثناء الحملات الانتخابية وغيرها.
o قوانين تنظيمية انتخابية: تعرَف الحملة الانتخابية الرقمية، وتنظيم الإعلانات السياسية على المنصات الرقمية.
o شفافية الخوارزميات.
o حماية البيانات الشخصية للناخبين، وتحيين قانون حماية المعطيات الشخصية الذي مر عليه أكثر 15 سنة.
(يتبع )
