المشاريع التنموية.. من الإنجاز العمومي إلى الملكية السياسية

سعادة بوسيف


علي بعد ايام من الاستحقاقات الانتخابية تعلن بعض وكالات التنمية عن فتح طلبات عروض في بعض الحهات والاعلان عن المبالغ المرصودة لبعض المشاريع التنموية وهنا لابد ان نذكر بان الديمقراطيات التي تحترم نفسها، لا تُقاس قيمة المشاريع التنموية فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، ولا بعدد الكيلومترات التي شُيدت من الطرق والمسالك، وإنما أيضاً بمدى احترام المؤسسات التي تنجزها لمبدأ الحياد، وبقدرتها على الفصل بين **الإنجاز العمومي والمصلحة الانتخابية**.

وفي هذا السياق، تطرح المشاريع التنموية التي يجري الإعلان عنها أو إطلاقها في عدد من المناطق سؤالاً مشروعاً يتجاوز تفاصيل الصفقات العمومية ومراحل تنفيذها: **متى يتوقف المشروع عن كونه إنجازاً للمرفق العام، ويبدأ في التحول إلى “ملكية سياسية” يحاول البعض توظيفها انتخابياً؟**

السؤال هنا ليس موجهاً ضد التنمية، بل دفاعاً عنها.

فالطريق الذي يشق الجبل، والمسلك الذي يفك العزلة عن الدواوير، والساحة التي يعاد تأهيلها داخل مركز حضري، كلها مشاريع يحتاجها المواطن وينتظرها منذ سنوات. وهي، في الأصل، ثمرة سياسات عمومية وتمويلات من المال العام ومساطر إدارية ومؤسساتية، وليست منّة من حزب أو منتخب أو مسؤول سياسي.

لكن الإشكال يبدأ عندما تنتقل هذه المشاريع من فضاء **المرفق العام** إلى فضاء **الدعاية السياسية**، وعندما يقدم الإنجاز الجماعي للمؤسسات باعتباره إنجازاً شخصياً لهذا المنتخب أو ذاك، أو عندما يُراد للمواطن أن يرى في مشروع عمومي مقابلاً سياسياً أو انتخابياً.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

# من حق المواطن إلى “فضل المنتخب”

المواطن لا يطلب من الدولة معروفاً حين يطالب بطريق أو مدرسة أو مستشفى أو شبكة للماء أو مسلك قروي. هذه مطالب مرتبطة بحقوقه وبالتزام المؤسسات العمومية تجاهه.

لذلك فإن تحويل هذه الحقوق إلى “أفضال سياسية” يمثل انقلاباً في المعادلة الديمقراطية: بدل أن يكون المسؤول مطالباً بتقديم الحساب للمواطن، يصبح المواطن، في الخطاب الانتخابي، مديناً للمسؤول لأنه أنجز مشروعاً بتمويل عمومي في سياق انتخابي بامتياز.

وهذه أخطر نقطة في عملية **تسييس التنمية**.

فالمشروع العمومي حين يصبح مادة للدعاية الانتخابية، لا يعود مجرد ورش هندسي أو استثمار ترابي؛ بل يتحول إلى أداة لإنتاج صورة سياسية، وإلى وسيلة لإعادة توزيع الرصيد الانتخابي على أساس منطق “من أنجز؟” بدل منطق “من هو صاحب الاختصاص؟ ومن أين جاء التمويل؟ ومن اتخذ القرار؟”.

والحال أن الإجابة في كثير من الأحيان واضحة: المشروع ملك للمؤسسة العمومية وللمواطنين، وليس ملكاً سياسياً لمن يرفع صورته إلى جانبه.

### لا مشكلة في استمرار التنمية أثناء الاستحقاقات

قد يقول قائل إن توقيت المشاريع لا ينبغي أن يكون محل انتقاد، لأن التنمية لا يمكن أن تتوقف بسبب الانتخابات.

وهذا صحيح.

لا أحد يمكنه أن يطالب الإدارة بتعليق برامجها التنموية كلما اقترب موعد انتخابي. فالمرافق العمومية مطالبة بالاستمرار، والمشاريع المبرمجة يجب أن تنفذ، والساكنة لا يمكن أن تنتظر انتهاء كل استحقاق سياسي حتى تحصل على حقوقها.

لكن الفرق كبير بين **استمرار المشروع العمومي** وبين **استغلال المشروع العمومي انتخابياً**.

المشكلة ليست في أن تنجز الدولة طريقاً قبل الانتخابات، وإنما في أن يتحول هذا الطريق إلى مادة تقول للناخب: “انظروا ماذا فعلنا من أجلكم”.

المشكلة ليست في بناء المسلك، وإنما في تحويله إلى رصيد انتخابي خاص.

المشكلة ليست في تأهيل مركز حضري، وإنما في أن يُقدم المشروع وكأنه هدية من جهة سياسية للساكنة.

وهنا تحديداً يجب أن يكون الخط الفاصل واضحاً.

### المال العام لا ينتج ملكية سياسية

إن الأموال التي تمول المشاريع التنموية هي أموال عمومية، وبالتالي فإن الإنجازات الناتجة عنها هي، في جوهرها، **إنجازات مؤسساتية**.

قد يكون منتخب قد ساهم في اقتراح مشروع، أو دافع عنه، أو تابع مراحل إخراجه إلى الوجود. وهذا يدخل ضمن العمل السياسي والمؤسساتي المشروع. لكن هذا الدور لا يمنحه حق تحويل المشروع إلى ملكية انتخابية خاصة.

فالمنتخب الذي يساهم في جلب مشروع إلى منطقته يمارس وظيفة من وظائفه، ولا يقدم من ماله الخاص هدية للناخبين.

وهنا ينبغي أن نتعلم، كمجتمع، التمييز بين **المبادرة السياسية المشروعة** و**الاستحواذ السياسي على الإنجاز العمومي**.

الأولى تستحق التقدير والمساءلة الديمقراطية، أما الثانية فتحتاج إلى يقظة مؤسساتية وإعلامية ومجتمعية.

# الخطر الأكبر: عندما تصبح التنمية وسيلة للولاء

الأكثر خطورة هو أن يصل الأمر إلى ربط المشاريع العمومية بمنطق الولاء السياسي: جماعة تستفيد لأنها قريبة من هذا الطرف، ودواوير تحظى بالأولوية لأنها محسوبة على هذا الفاعل، ومناطق أخرى تشعر بأنها خارج دائرة الاهتمام لأنها لا تمتلك النفوذ نفسه.

إذا ترسخ هذا المنطق، فإن التنمية تفقد معناها.

فالعدالة المجالية لا تقوم على الولاءات، وإنما على الحاجات والأولويات والمعايير الموضوعية. والمواطن في قرية نائية لا ينبغي أن يسأل نفسه: “لمن أصوت حتى تصلني الطريق؟”، بل ينبغي أن يكون سؤاله: “ما هي المعايير التي تعتمدها الدولة لتوزيع المشاريع؟”.

هذه هي الديمقراطية التي نريدها: **دولة تقدم الخدمة لأنها واجب، لا لأنها صفقة انتخابية.**

### مسؤولية الإعلام والمجتمع المدني

في مواجهة هذه الظاهرة، لا تكفي بيانات الإدانة، كما لا يكفي إطلاق الاتهامات.

المطلوب هو طرح الأسئلة الصحيحة: من يمول المشروع؟ من صاحب الاختصاص؟ ما هي المسطرة التي اتبعت؟ ما هي المعايير التي اعتمدت في تحديد الأولويات؟ من يتولى التنفيذ؟ وكيف يتم التواصل بشأن المشروع؟ ومن ينسبه إلى نفسه؟

هذه الأسئلة لا تعرقل التنمية، بل تحميها.

كما أن الصحافة مطالبة بالتمييز بين الخبر المؤسساتي والدعاية السياسية، وألا تتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب يجعل من المال العام مادة للترويج الانتخابي.

والمواطن بدوره ليس مجرد متلقٍّ للصور والبلاغات؛ إنه صاحب الحق في معرفة الحقيقة الكاملة حول المشاريع التي تنجز في محيطه.

### من “من أنجز؟” إلى “من يخدم؟”

ربما آن الأوان لتغيير السؤال.

بدلاً من أن نسأل في كل مرة: **من أنجز هذا المشروع؟**، ينبغي أن نسأل: **هل أُنجز المشروع وفق القانون؟ وهل استجاب لحاجة حقيقية؟ وهل استفاد منه المواطنون على قدم المساواة؟ وهل احترمت المؤسسات حيادها؟**

فالسياسة الديمقراطية ليست مسابقة لامتلاك المشاريع العمومية، وإنما منافسة حول البرامج والأفكار والقدرة على تدبير الشأن العام.

ومن حق المنتخب أن يقول إنه دافع عن مشروع أو ساهم في إخراجه إلى الوجود، لكن ليس من حقه أن يحول المال العام إلى شهادة ملكية سياسية.

وفي النهاية، الطريق الذي شُيد بأموال المواطنين لا ينتمي إلى من وقف أمامه لالتقاط صورة، والمسلك الذي فتحه المرفق العمومي ليس ملكاً لمن قدمه في خطاب انتخابي باعتباره إنجازاً شخصياً.

فالمال العام أمانة، والانتخابات ليست سوقاً لبيع الحقوق الاجتماعية مقابل الأصوات.**
فالواجب يقتضي حماية التنمية نفسها من أن تتحول من وسيلة لخدمة المواطن إلى أداة للبحث عن ملكية سياسية مؤقتة لمشاريع يفترض أنها ملك دائم للمجتمع.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.