بوكمازي: الانتخابات يجب أن تكون فرصة لتجسيد إرادة المواطنين لا مجرد إجراءات شكلية

اعتبر رضا بوكمازي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن استعادة الثقة في العمل السياسي تقتضي الاقتناع بأن “العملية السياسية والممارسة السياسية هي المدخل الوحيد لكل الأمور المرتبطة بحياة الإنسان”، مؤكداً أن المواطن أمام خيارين: إما أن يكون مشاركاً وفاعلاً ومؤثراً في مخرجات القرار العمومي، أو ينسحب ويترك المجال للآخرين لاتخاذ القرارات التي تؤثر في حياته.

وأوضح بوكمازي الذي كان ضيفا على بودكاست “جيل الفعل”، أن المشاركة الفعلية، وفق ما راكمته التجارب السياسية، تمر أساساً عبر الممارسة السياسية من خلال الأحزاب، معتبراً أن هذا المسار “يقتضي أن نضحي من أجله ونصبر من أجله”. وربط ذلك بقضايا الحياة اليومية، من الصحة والتعليم والشغل والخدمات العمومية إلى الحفاظ على الاستقرار وتحسين مستوى العيش.

ويرى المتحدث ذاته، أن السياسة تحتاج إلى منظومة قيم قائمة على “التضحية والبذل والعطاء”، وعلى اعتبار أن الإنسان لم يخلق فقط ليكون مستهلكاً أو مستفيداً، وإنما ليكون له دور ورسالة في بناء وطنه ومجتمعه. وبالنسبة إليه، فإن هذه القيم هي التي تسمح للفاعل السياسي بالاستمرار مهما كانت الظروف والصعوبات، لأنها تمنحه القدرة على النظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من عملية الإصلاح وحاملاً لفكرة تستحق الدفاع عنها.

مقاومة الصورة السلبية
ولم ينف عضو الأمانة العامة للحزب وجود ممارسات سلبية داخل العمل السياسي والحزبي، لكنه شدد على ضرورة مقاومتها وعدم التعامل معها باعتبارها قدراً محتوماً. وقال إن هناك ممارسات قائمة على الانتفاع والمصالح، في مقابل ممارسات إيجابية قائمة على خدمة الوطن والمواطن.

وفي هذا السياق، استحضر نماذج من رؤساء الحكومات السابقين، معتبراً أن عبد الرحمن اليوسفي وعبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، إضافة إلى إدريس جطو، قدموا، كل حسب تجربته، نماذج مختلفة في التعامل مع المسؤولية العمومية، معتبراً أن الموقع العمومي يمكن أن يكون فرصة لخدمة المواطنين، حتى وإن كانت القرارات قابلة للنقد أو الخطأ أو الاختلاف.
وبحسبه فإن “الأزمة هي أزمة مؤسسات وليست أزمة ناس”، مشيراً إلى أن الأمل في العملية السياسية يبقى قائماً ما دام هناك فاعلون يرفضون الصمت على الممارسات السلبية، سواء من داخل المؤسسات أو من خلال الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية المرتبطة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية والتغطية الصحية وغيرها.

انتخابات 2021 ولحظة الانكسار
وفي حديثه عن مسار المشاركة السياسية، اعتبر المتحدث ذاته، أن مرحلة ما بعد 2011 شهدت توسيعاً لقاعدة المشاركة السياسية، مستحضراً دستور 2011 والانتخابات التي تلته، وما رافقها من ارتفاع في منسوب المشاركة وانخراط عدد من الشباب في الحياة السياسية، معتبرا أن هذا الأمل تعرض للانكسار مع ما عرف بـ”البلوكاج” سنة 2016، قبل أن يرى أن انتخابات 2021 شكلت محطة أكثر عمقاً في هذا المسار.

وقال إن انتخابات 2021 أفرزت، في نظره، “لحظة انكسار” لدى فئة من الشباب والمواطنين، معتبراً أن بعض الممارسات التي رافقت تلك المرحلة لم تكن تستهدف فقط حزب العدالة والتنمية، وإنما «”إيقاف مسار إعطاء الاختيار الديمقراطي كثابت من الثوابت الدستورية الجديدة”.

وانتقد بزكمازي ما اعتبره اختلالاً في التوازن المؤسساتي خلال المرحلة التي أعقبت انتخابات 2021، مشيراً إلى أن المعارضة لم تكن تتوفر، بحسب تقديره، على الإمكانات العددية والدستورية الكافية لممارسة الرقابة بالشكل المطلوب، ومن بينها آليات مثل لجان تقصي الحقائق.

ومع ذلك، اعتبر أن المعارضة استطاعت نقلت عدد من الإشكالات المرتبطة بتدبير الشأن العمومي إلى المجتمع، من خلال البلاغات والندوات والترافع السياسي، خصوصاً في قضايا تضارب المصالح والفساد واستغلال النفوذ والعدالة المجالية والتغطية الصحية.

لا بديل عن المشاركة
ورفض بوكمازي فكرة أن ضعف النتائج المباشرة للمشاركة السياسية يبرر المقاطعة، معتبراً أن الانسحاب من العملية السياسية لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الواقع، بل قد يترك المجال أمام آخرين لاتخاذ القرارات نيابة عن المواطنين.

وقال إن “خيار المشاركة هو خيار مهم وله قيمة كبيرة” معتبراً أن المشاركة هي السبيل لتطوير منظومة الفعل العمومي والخدمات العمومية وضمان استمرار واستقرار الوطن.

وبالنسبة إليه، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لتجديد المؤسسات كل خمس سنوات، بل يجب أن تكون فرصة للتعبير عن إرادة المواطنين، وأن تتميز بالنزاهة والشفافية وتفرز مؤسسات ذات مصداقية وقادرة على تحمل المسؤولية، مع تمكين المواطن من مساءلتها ومحاسبتها.

كما انتقد عضو الأمانة العامة للحزب بعض الخطابات التي تروج مسبقاً لنتائج الانتخابات أو لأسماء بعينها، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تساهم في تبديد الثقة في العملية الديمقراطية. واستند في ذلك إلى الفصل 47 من الدستور، الذي يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات وتصدر الحزب السياسي للانتخابات.

وحذر من أن الخطاب الذي يوحي بأن نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً “كيخدم وجهة نظر الناس اللي كيدعوا إلى المقاطعة”، كما يخدم، في تقديره، مصالح لوبيات الفساد والمصالح، لأن ابتعاد المواطنين عن العملية السياسية يسهل على هذه الأطراف الوصول إلى مواقع المسؤولية والتأثير فيها.

وختم بوكمازي مداخلته بالتأكيد على أن “ثقافة المشاركة”هي التي تمكن المواطنين من مواجهة الفساد والسلطوية والتحكم، معتبراً أن حضور المجتمع في العملية السياسية هو الوسيلة لإعادة الاعتبار للاختيار الديمقراطي واستعادة الثقة في المؤسسات.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.