الأمن السيبراني الانتخابي في المغرب (3): قراءة في المادة 51 مكررة من القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب

حميد بحكاك


وفي انتظار وضع إطار تشريعي ومؤسساتي للذكاء الاصطناعي واستعمالاته في المغرب، فإن المؤسسات المعنية بالانتخابات والحملات الانتخابية، تضع الضوابط والدلائل لضبط هذا المجال، كما جاء في “دليل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري لفهم تعددية التعبير السياسي في الإذاعة والتلفزيون” الذي أصدرته الهيئة في إطار التحضير لانتخابات 2026.
فتحت عنوان “كيف يتم تأطير التضليل الإعلامي والذكاء الاصطناعي”، جاء في هذا الدليل أنه يمنع على الإذاعات والقنوات التلفزية “بث أي مضمون انتخابي مركب أو مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي من شأنه تضليل الجمهور” وحدد الدليل الإطار المسموح به لاستعمال الذكاء الاصطناعي إذ “يمكن بث هذا النوع من المحتويات فقط لأغراض إخبارية أو تفسيرية أو تحققية، شريطة التنصيص الواضح على الطبيعة المركبة أو الاصطناعية للمحتوى المعني” كما جاء في الدليل.
وقد شهدت العديد من الانتخابات حول العالم أشكالاً مختلفة من الجرائم الرقمية أو التدخلات الرقمية، لكن طبيعتها اختلفت بين الاختراق الإلكتروني، والتضليل الإعلامي، واستخدام الذكاء الاصطناعي، واستغلال البيانات الشخصية، والهجمات السيبرانية، واستهداف شخصيات وأحزاب سياسية وشيطنتها من خلال حملات التشهير، نذكر منها:

فرنسا 2026
في فرنسا كان حزب «فرنسا الأبية» (LFI) والعديد من شخصياتها هدفا للتشهير الرقمي، فحسب «فيجينوم» Viginum (المصلحة التابعة للدولة الفرنسية المكلفة باليقظة والحماية من التدخلات الرقمية الأجنبية)، كان هذا الحزب أثناء الانتخابات البلدية 2026 التي جرت هدفًا لحملة واسعة ومنسقة للتدخل والتشهير الرقمي، إذ استهدف مرشحون ومنتخبون (مثل سيباستيان ديلوغو في مرسيليا، وفرانسوا بيكيمال في تولوز، ودافيد غيرود في روبيه) من خلال إنشاء مواقع إخبارية زائفة، ونشر اتهامات كاذبة، وإعلانات رقمية تشهيرية، ومحتويات استقطابية روّجت لها شبكات من الحسابات الوهمية، وأشارت التحقيقات والتحريات إلى تورط جهات ومكاتب مقرها في إسرائيل، ولا سيما شركة التأثير السيبراني «بلاك كور» BlackCore، وأدان جان لوك ميلانشو زعيم الحزب هذه الحملة الرقمية الرامية إلى تشويه سمعة ممثليهم1.

الولايات المتحدة (2016)
تعد من أشهر حالات التدخل الرقمي في التاريخ الحديث، وشكلت مادة بحثية في مجال الأمن السيبراني الانتخابي، في هذه الانتخابات الرئاسية التي جرت بين هيلاري كلينتون، ودونالد ترامب، ونجاح هذا الأخير في هذه الانتخابات، واتُهمت روسيا وأجهزتها الاستخباراتية في هذه الانتخابات بالتدخل لصالح ترامب، من خلال اختراق البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي وتسريب وثائقه، وحملات تضليل واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام حسابات وهمية وروبوتات إلكترونية (Bots)، واستهداف الناخبين بإعلانات سياسية موجهة اعتماداً على البيانات الشخصية، وأصبحت هذه الانتخابات مرجعاً عالمياً في دراسة الأمن السيبراني الانتخابي.
تُظهر هذه التجارب وغيرها أن التهديدات لم تعد تقتصر على تزوير أوراق الاقتراع، بل انتقلت إلى تزوير البيئة المعلوماتية التي يتخذ فيها الناخب قراره، ولذلك فإن النص المغربي الذي يجرم ارتكاب الجرائم الانتخابية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والمنصات الإلكترونية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، ينسجم مع الاتجاه الدولي نحو حماية نزاهة العملية الانتخابية في الفضاء الرقمي، غير أن التجارب المقارنة تبين أيضاً أن العقوبات الجنائية وحدها لا تكفي، بل ينبغي أن تُستكمل بإجراءات وقائية تشمل الأمن السيبراني، وشفافية الإعلانات السياسية، وحماية البيانات الشخصية، والتعاون مع المنصات الرقمية، والمؤثرين، والتوعية الرقمية للناخبين.

خلاصة
تعكس المادة 51 مكررة تحولاً في السياسة الجنائية المغربية، من مواجهة الجرائم الانتخابية التقليدية إلى مواجهة الجرائم الانتخابية الرقمية، وهي تؤسس لحماية العملية الديمقراطية والانتخابية في العصر الرقمي، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بتطوير الخبرة التقنية لدى القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وتعزيز التعاون مع المنصات الرقمية، وسن قواعد أكثر تفصيلاً بشأن الأدلة الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يضمن التوازن بين مكافحة التضليل الانتخابي وصون حرية التعبير، كما أن مفهوم الأمن الانتخابي تطور من حماية صندوق الاقتراع إلى حماية الفضاء الرقمي الذي تتشكل فيه إرادة الناخب، وفي هذا السياق، يمكن اعتبار الأمن السيبراني الانتخابي فرعاً جديداً يجمع بين القانون الدستوري، والقانون الانتخابي، والقانون الجنائي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، يهدف إلى حماية نزاهة العملية الديمقراطية في العصر الرقمي، وهو موضوع مرشح لأن يصبح أحد أهم مجالات البحث والتشريع خلال السنوات القادمة.

1 حصري-مصادر: فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية
https://www.reuters.com/ar/world/LMI6AQZZMJK7VOL3ZKMDIYTHQM-2026-05-13/
(انتهى )

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.