سعادة بوسيف
ليست الثقافة، في الدولة التي تجعل من الإنسان محوراً للتنمية ومن المؤسسات أدواتٍ لخدمة الصالح العام، ترفاً يُضاف إلى الحياة العمومية، ولا مجرد فرجة تُستهلك في لحظة الزهو أو احتساء كأس خمرة وتعميق الشرود لدى الشباب خاصة وتنتهي بانتهاء العرض. فالثقافة، بما هي إنتاج للمعنى وتشكيل للوعي وترسيخ للهوية، تدخل في صميم بناء المواطن وفي الطريقة التي تتصور بها الدولة علاقتها بأجيالها الجديدة.
ومن هنا فإن السؤال عن وظيفة وزارة الثقافة لا ينبغي أن يُختزل في عدد المهرجانات، ولا في حجم الأنشطة والفعاليات، ولا في قدرة المؤسسات على ملء الساحات بالجمهور. السؤال الأعمق هو: “أي إنسان نريد أن تصنعه الثقافة العمومية؟ وأي مواطن نريد أن يساهم الفن خاصة في تكوينه؟”
ذلك أن منطق الدولة لا يقوم على الترفيه وحده، كما أن منطق العدالة لا يقوم على تطبيق القانون في معناه التقني الضيق فقط؛ وإنما يقومان معاً على ترسيخ منظومة من القيم التي تجعل الحرية ممارسةً مسؤولة، والحق مقروناً بالواجب، والمواطنة مرتبطةً بالانتماء، والمؤسسة خادمةً للصالح العام. وفي هذا المعنى، فإن ما يحكم وزارة العدل من مبادئ دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصيانة الحقوق والحريات في إطار القانون، لا يمكن أن يكون منفصلاً عن سؤال الثقافة: “أي وعي يجعل المواطن قادراً على فهم هذه الحقوق، واحترام هذه الواجبات، والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع والوطن؟”
فالقانون ينظم السلوك من الخارج، أما الثقافة فتسهم في بناء الضمير الذي يوجه السلوك من الداخل. والعدالة تحمي الإنسان باعتباره صاحب حقوق وواجبات، فيما الثقافة تصنع جزءاً من الصورة التي يحملها هذا الإنسان عن ذاته، وعن مجتمعه، وعن وطنه، وعن مستقبله.
ومن تم، فإن النقاش حول المهرجانات والأنشطة الثقافية العمومية ليس نقاشاً هامشياً حول الذوق أو حول عبارة فنية عابرة؛ وإنما هو نقاش حول “السياسة الثقافية نفسها”: حول الرسائل التي تختار الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن تمنحها للأجيال الشابة، وحول الحدود الفاصلة بين الترفيه الذي يفتح الإنسان على الحياة، والترفيه الذي يتحول إلى بديل عن المعنى.
حين تختزل بعض الفعاليات الموجهة إلى الشباب في منطق الفرجة العابرة، وتصبح عبارات من قبيل «اللهم الزهو ولا زواج القهرة» عنواناً لخطاب يُقدَّم أمام جمهور واسع، فإن السؤال المشروع لا يتعلق بالعبارة وحدها، ولا بحرية الفنان في التعبير، وإنما بما هو أعمق: “هل الثقافة العمومية تكتفي بإرضاء المزاج اللحظي للجمهور، أم أنها تمتلك تصوراً لما ينبغي أن تزرعه في وعي هذا الجمهور؟”
نحن لا نعارض الفن، ولا نخاصم الفرح، ولا ندعو إلى الوصاية على التعبير. لكن الحرية لا تعني غياب المسؤولية، كما أن دعم الثقافة لا يعني إعفاء السياسة الثقافية من السؤال والنقد. فالمجال العمومي، حين تستثمر فيه الدولة مواردها وتضع له مؤسساتها وبرامجها، يصبح مجالاً للتأثير وصناعة الذوق وتشكيل الوعي، خصوصاً حين يكون المخاطَب هو الشباب.
وهنا تحديداً يصبح السؤال السياسي مشروعاً: “هل نريد ثقافة تُسلي الشباب فقط، أم ثقافة تساعدهم على أن يصبحوا مواطنين أكثر وعياً بأنفسهم، وأكثر اعتزازاً بهويتهم، وأكثر إيماناً بقدرتهم على صناعة مستقبل وطنهم؟”
إن الشباب المغربي لا يحتاج فقط إلى من يُرفّه عنه، بل يحتاج إلى من يؤمن بقدرته على صناعة المستقبل؛ يحتاج إلى فن يفتح أمامه إمكانات الحلم، لا إلى خطاب يجعل أقصى أفق للحياة هو الاستهلاك واللهو؛ يحتاج إلى قدوات حقيقية تتغنى بالوطن، وتُعلي قيمة الانتماء، وتحتفي بالهوية والتاريخ والثقافة، وتحول الإبداع من استهلاك لحظي إلى قوة ناعمة لبناء الإنسان والمجتمع.
فالاستثمار في الشباب لا يكون فقط بالبنيات والتجهيزات والبرامج، وإنما أيضاً بالاستثمار في وعيه وذوقه وقدواته وإحساسه بالمسؤولية تجاه وطنه. وإذا كانت وزارة العدل تُذكّر، في منطق دولة الحق والقانون، بأن الحقوق لا تنفصل عن المسؤولية، فإن الثقافة مطالبة بدورها بأن تجعل الحرية والانتماء والإبداع والمسؤولية عناصر متكاملة لا متناقضة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين «الفرح» و«الجدية»، ولا بين الفن والقيم؛ بل بين ثقافة تنتج المعنى وثقافة تستهلك المعنى، بين مهرجان يرى في الشباب مجرد جمهور قابل للاستهلاك، ومشروع ثقافي يراه شريكاً في بناء المستقبل.
فالشباب الذي نريده أن يحمل مشعل الوطن غداً، علينا أن نمنحه اليوم ما يجعله يؤمن بهذا الوطن، يعتز بالانتماء إليه، ويشعر بأن مستقبله جزء من مستقبل بلاده.
وحين يصبح «الزهو» هو الرسالة الوحيدة، فإن الخطر لا يكون في الزهو نفسه، فالفرح حق من حقوق الحياة، وإنما في أن يتحول الفرح إلى بديل عن الوعي، والاستهلاك إلى بديل عن الطموح، والفرجة إلى بديل عن الثقافة، واللحظة العابرة الي فرصة لتقويض اركان مؤسسة الزواج..
