[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

بوكمازي: لا نريد شباباً للواجهة.. بل قيادات تصنع القرار وتفرض حضورها

مع كل استحقاق انتخابي، يعود سؤال الشباب إلى واجهة النقاش السياسي: أين هم من قيادة اللوائح؟ وأين هي مكانتهم داخل المؤسسات المنتخبة؟ وهل استطاعت الأحزاب السياسية فعلاً أن تحول خطابها حول تجديد النخب وتمكين الشباب إلى ممارسة تنظيمية وانتخابية ملموسة؟

ومع إعلان عدد من الأحزاب السياسية عن لوائح ترشيحاتها للانتخابات التشريعية المقبلة، برزت ملاحظة لافتة تتمثل في محدودية الوجوه الشابة التي تتصدر اللوائح، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً أعمق من مجرد ترتيب الأسماء: هل تمتلك الأحزاب السياسية الآليات الديمقراطية والتنظيمية الكفيلة بإنتاج قيادات شابة قادرة على الوصول إلى مواقع القرار؟

في قراءة لهذا الواقع، يرفض رضا بوكمازي، نائب الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، اختزال حضور الشباب في مجرد الرغبة في الحصول على مواقع متقدمة داخل اللوائح، معتبراً أن المعركة الحقيقية تتعلق ببناء حضور سياسي وتنظيمي قادر على إنتاج الكفاءة والقيادة وتحويل الشباب من مجرد فئة مستهدفة انتخابياً إلى قوة فاعلة في صناعة القرار.

ليست المشكلة في سن المرشح فقط

في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أقر بوكمازي بأن ظاهرة عدم تصدر الشباب للوائح الانتخابية موجودة لدى عدد من الأحزاب السياسية، لكنه شدد على أن التعامل معها لا يمكن أن يتم باعتبارها ظاهرة موحدة تنطبق على جميع التنظيمات، لأن لكل حزب قواعده التنظيمية وآليات اشتغاله الداخلية.

ومن هنا، يضع المتحدث إصبعه على أحد المفاتيح الأساسية للمسألة: الديمقراطية الداخلية.

فبقدر ما تكون القواعد الداخلية للأحزاب واضحة وملزمة، وبقدر ما تتيح للكفاءات الشابة مسارات حقيقية للتدرج وتحمل المسؤولية، يصبح حضور الشباب في مواقع القيادة نتيجة طبيعية لمسار تنظيمي وسياسي، وليس مجرد قرار ظرفي تفرضه مناسبة انتخابية.

تجربة العدالة والتنمية: الشباب داخل مواقع القرار

وفي هذا السياق، يستحضر بوكمازي تجربة حزب العدالة والتنمية، مؤكداً أن الشباب حاضرون بشكل مهم في عدد من الدوائر الانتخابية، مع الحرص على احترام النسبة المحددة لتمثيلهم في قيادة اللوائح الانتخابية.

ولا يتوقف الأمر، وفق المتحدث، عند الاستحقاقات الانتخابية، إذ يحرص الحزب كذلك على ضمان حضور الأعضاء الشباب داخل التنظيمات والهيئات المسيرة، بما يجعلهم جزءاً من عملية النقاش وصناعة القرار، وليسوا مجرد أسماء يتم استدعاؤها خلال الحملات الانتخابية.

وهنا تكمن، بحسب هذه الرؤية، أهمية الديمقراطية الداخلية: أن يبدأ تمكين الشباب من داخل الحزب قبل أن يصل إلى البرلمان أو الجماعات الترابية.

«الشباب ليس منحة»

لكن بوكمازي يذهب أبعد من تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية محدودية حضور الشباب، إذ يوجه رسالة واضحة إلى الشباب أنفسهم.

فالحضور السياسي، في نظره، لا ينبغي أن يتحول إلى «منحة» تمنح للشاب لمجرد أنه شاب، وإنما ينبغي أن يكون ثمرة نضال وتراكم وكفاءة ومسؤولية.

ويعني ذلك أن الرهان لا ينبغي أن يكون فقط على احتلال موقع متقدم في لائحة انتخابية، بل على بناء شخصية سياسية قادرة على الإقناع، وفهم قضايا المواطنين، ومتابعة الشأن العام، واقتراح البدائل، والمشاركة في تدبير الشأن الحزبي والمؤسساتي.

فالشاب الذي يريد أن يقود لائحة انتخابية، وفق هذا المنطق، مطالب قبل ذلك بأن يثبت قدرته على القيادة داخل التنظيم، وأن يحول حضوره من مطلب إلى أمر واقع تصنعه الكفاءة والعمل الميداني والتراكم السياسي.

من «شباب الواجهة» إلى «شباب القرار»

المفارقة التي يطرحها النقاش الحالي أن الجميع تقريباً يتحدث عن أهمية الشباب، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بمنحهم مواقع فعلية داخل دوائر القرار.

فالشباب لا يحتاجون فقط إلى أن يكونوا حاضرين في الصور والأنشطة والحملات الانتخابية، وإنما إلى أن يكونوا حاضرين في الهيئات التي تصنع القرار، وفي المؤسسات التي تدبر الشأن العام، وفي اللوائح التي تنافس على المقاعد الانتخابية.

ومن هنا، فإن تجديد النخب لا يمكن أن يتحقق بمجرد تغيير بعض الأسماء أو تقديم وجوه شابة للواجهة، بل يحتاج إلى مسار طويل يبدأ من التنظيم والتكوين والنضال، ويمر عبر تحمل المسؤولية، وينتهي بالقدرة على المنافسة والقيادة وكسب ثقة الناخبين.

الرهان أكبر من مقعد برلماني

بالنسبة إلى بوكمازي، فإن المعركة الحقيقية ليست حول عدد الشباب الموجودين في اللوائح فحسب، وإنما حول نوعية الحضور الذي يستطيعون بناءه داخل الحياة السياسية.

فالمطلوب هو شباب قادرون على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن موقع المطالب بالتمكين إلى موقع القادر على إثبات الجدارة، ومن مجرد الرغبة في الترشح إلى امتلاك مشروع سياسي ومؤهلات تمكنه من تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.

وبذلك، يصبح سؤال الشباب في الانتخابات المقبلة اختباراً حقيقياً للأحزاب السياسية وللشباب في آن واحد: هل تستطيع التنظيمات الحزبية فتح الطريق أمام جيل جديد من القيادات؟ وهل يستطيع الشباب أنفسهم تحويل مطلب التمثيلية إلى حضور سياسي قائم على النضال والكفاءة والإنجاز؟

ذلك أن تجديد النخب لا يصنعه العمر وحده، كما لا تصنعه اللوائح وحدها؛ وإنما تصنعه الديمقراطية الداخلية، والتراكم التنظيمي، والكفاءة، والقدرة على الإقناع، ثم الشجاعة السياسية لتحمل مسؤولية القرار.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.