زكرياء برو ينتقد منطق “جلب الأصوات” ويحذر من تغلغل المال والنفوذ في الحياة السياسية والانتخابية

حذر زكرياء برو، عضو المكتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، من تنامي تأثير المال والنفوذ في الحياة السياسية والانتخابية، معتبراً أن الإشكال لا يرتبط فقط بظاهرة شراء الأصوات، وإنما يمتد إلى طبيعة المرشحين، وطريقة اختيارهم، ومدى استقلال القرار السياسي عن المصالح الاقتصادية.

ودعا برو، خلال مشاركته في بودكاست “جيل الفعل” إلى الانتقال من منطق تمثيل الأشخاص والروابط التقليدية، بما فيها الروابط القبلية، إلى منطق تمثيل البرامج والمصلحة العامة، معتبراً أن المغرب اليوم هو “مغرب المؤسسات”، وأن المطلوب هو الرفع من قيمة المؤسسات المنتخبة وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحاجيات المواطنين.

وبحسب برو، فإن وجود روابط اجتماعية ومجالية، ومنها القبيلة، لا ينبغي أن يكون بالضرورة في تعارض مع المؤسسات، بل يمكن أن تتحول هذه الروابط إلى فضاء للترافع عن القضايا المحلية ومصدرا للتنمية، خصوصاً عندما تعجز المؤسسات عن الاستجابة لبعض المطالب الأساسية للسكان.

الأحزاب أمام مسؤولية اختيار الكفاءات
وانتقد القيادي في شبيبة العدالة والتنمية بعض الممارسات الحزبية التي تجعل معيار اختيار المرشحين مرتبطاً بقدرتهم على جلب الأصوات، بدل الكفاءة والنزاهة والالتزام السياسي. وقال إن بعض الأحزاب باتت تتعامل مع الترشيحات بمنطق حساب عدد الأصوات التي يستطيع المرشح جلبها، أو قوة انتمائه المحلي والقبلي، عوض اعتماد معايير ترتبط بالكفاءة والانتماء الحزبي والنضالية.

واعتبر أن هذا المنطق ينعكس كذلك على اللوائح الانتخابية، حيث قد يصبح الانتماء إلى جماعة أو منطقة معينة معياراً لتحديد موقع المرشح، بدل النظر إلى مؤهلاته وقدرته على تمثيل المواطنين.

وفي نظر برو، فإن هذا الأمر يفرغ التنافس السياسي من جزء أساسي من مضمونه، خصوصاً عندما يتم اختزال الهدف في الحصول على المقاعد دون نقاش حقيقي حول البرامج والسياسات العمومية.

ومن بين النقاط التي توقف عندها برو مسألة نظرة بعض الناخبين إلى المرشح البرلماني باعتباره قادراً على قضاء الأغراض الشخصية للمواطنين. وعتبر أن هذا التصور يساهم بدوره في تشويه وظيفة المنتخب، مشدداً على أن النائب البرلماني له أدوار دستورية واضحة، في مقدمتها التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتتبع السياسات العمومية، إضافة إلى الدبلوماسية البرلمانية.

وبالتالي، يقول برو، لا ينبغي أن يكون معيار اختيار المرشح هو قدرته المالية أو قدرته على قضاء الأغراض، لأن ذلك يحول الوظيفة الانتخابية من تمثيل للمواطنين إلى علاقة زبونية قائمة على المنفعة الشخصية.

الجمع بين المال والسلطة

واعتبر برو أن الجمع بين المال والسلطة يمثل أحد أبرز مصادر الاختلال في الممارسة السياسية، مستحضراً ما وصفه بـ«التوحش» في استغلال المنصب من أجل المصالح الخاصة وتضارب المصالح خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026. وأشار إلى أن تضارب المصالح يصبح أكثر خطورة عندما يكون المسؤول السياسي أو المنتخب مرتبطاً بمصالح اقتصادية يمكن أن تتأثر بالقرارات التي يشارك في صنعها.

وضرب برو مثالاً بما اعتبره حالة لبرلماني تدخل لتعديل مقتضى في قانون المالية بما يؤدي إلى تخفيض الرسوم الجمركية على استيراد العسل، معتبراً أن مثل هذه الحالات تطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود الفصل بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.

وبحسب برو، فإن الخطر لا يكمن في ممارسة المسؤول للأنشطة الاقتصادية في حد ذاتها، وإنما في استعمال الموقع السياسي أو النفوذ العمومي بطريقة تمنح تلك الأنشطة امتيازاً غير مشروع على حساب المنافسين والمقاولات الأخرى.

المال ضروري للحملة.. لكن ليس بلا حدود
وفي الوقت نفسه، شدد برو على أن الحديث عن محاربة المال السياسي لا يعني إنكار الحاجة إلى الموارد المالية في الحملات الانتخابية. وأوضح أن الحملات تحتاج إلى وسائل لوجستيكية وإعلامية وتنظيمية، وأن القانون يحدد سقفاً للإنفاق الانتخابي، لكن الإشكال يبدأ عندما تتجاوز المصاريف الحدود القانونية أو تتحول العملية الانتخابية إلى استثمار مالي ضخم يبحث صاحبه لاحقاً عن طرق لاسترجاع ما أنفقه.

وحذر من أن ارتفاع تكلفة الحملات إلى مستويات كبيرة قد يفتح الباب أمام ممارسات غير سليمة، لأن المرشح الذي ينفق مبالغ ضخمة للوصول إلى موقع سياسي قد يصبح أكثر عرضة لإغراء استغلال ذلك الموقع لتحقيق مصالح خاصة.

ومن هنا، يربط برو بين المال الانتخابي وتضارب المصالح، معتبراً أن المشكلة لا تنتهي يوم إعلان نتائج الانتخابات، بل قد تبدأ فعلياً بعد الوصول إلى المنصب.
ومن هذا المنطلق، يرى أن محاربة المال الانتخابي لا يمكن أن تنجح فقط عبر الرقابة والعقوبات، وإنما تحتاج أيضاً إلى سياسات تنموية تحفظ كرامة المواطنين وتقلل من هشاشتهم الاقتصادية، معتبرا أن الناخب الذي يشعر بالأمان الاقتصادي والاستقلال المادي، يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرار انتخابي مستقل، بينما قد تدفع الحاجة والفقر مواطناً آخر إلى تفضيل مبلغ مالي محدود على وعد سياسي طويل الأمد.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.