بويغرومني تكتب: انتخابات وطننا تعنينا والمقاطعة “خطأ وخطر”

نعيمة بويغرومني


آسفة… لن أقول هذه المرة إنني لم أعد أفهم في السياسة لأنها خُدشت كثيرا وانطفأ وهج ملامحها النبيلة… ولا أني تعبت منها، ولا أني فقدت الثقة في كل شيء؛ فأنا تدرجت في سلمها بما يكفي لأعرف أن أخطر لحظة في السياسة ليست حين يتكلم السياسيون كثيرا، وإنما حين يقرر المواطنون أن يصمتوا طويلا.
نعم، تدرجت بما يكفي لأفهم أن الانتخابات لا تكشف فقط من يريد أن يفوز، بل تكشف أيضا من يظن أن الناس قد نسوا، والناس لا تنسى دائما. قد تنشغل، قد تصمت، قد تتعب، قد تنسحب إلى تفاصيل حياتها الصغيرة… لكنها حين تقرر أن تتذكر، يصبح لكل شيء معنى آخر.
لهذا لا أستطيع أن أنظر إلى الانتخابات المقبلة كأنها مجرد موعد آخر عابر…
لقد رأينا كيف تتبدل الوجوه حين يقترب الموعد: من كان بعيدا يصبح قريبا، ومن كان صامتا يصبح خطيبا، ومن لم يكن يجد وقتا لأحد، يصبح فجأة شديد الانشغال بالناس، إنه موسم الحنان والتواضع والتودد للمواطن.
تُفتح الأبواب، تُستعاد العلاقات القديمة، تُبعث صداقات ظن أصحابها أنها ماتت، وتخرج من الأدراج وعود كانت تنتظر موسمها. حتى الذين قضوا سنواتهم في الظل، يتذكرون فجأة أن لهم رسالة يريدون إيصالها إلى الناس… بابتسامة مزيفة والقلب علمه عند الله.
لا أقول هذا ساخرةً، أقوله لأنني أعرف أن للانتخابات قوانينها غير المكتوبة التي يجتهد فيها “مسامر الميدة” بامتياز. وأحد هذه القوانين أن الإنسان الذي لا يتذكره أحد طوال خمس سنوات، يمكن أن يصبح مطلوبا جدا في الأسابيع القليلة التي تسبق الاقتراع، إنها حكاية عشق فجائي بطلها المعشوق هو المواطن والعشاق كثر.
لماذا؟ لأن هناك شيئا واحدا لا يستطيع أي مرشح أن يشتريه بالكامل: قناعة المواطن، يمكن أن تُشترى الولاءات. يمكن أن تُبنى الشبكات. يمكن أن تُصنع الصور. يمكن أن تُقال الكلمات التي يريد الناس سماعها. لكن يبقى شيء صغير، صامت، لا يظهر في التجمعات ولا في المنصات: ورقة الاقتراع.
هناك، يصبح كل شيء متساويا للحظة، تسقط الألقاب ويسقط الضجيج ويسقط عدد السيارات التي ترافق هذا أو ذاك، ويسقط حجم المنصة، ويبقى اسم أمام اسم، واختيار أمام اختيار، وهنا بالضبط أريد ويريد كل شرفاء هذا الوطن أن يكون المواطن حاضرا.
لا نريد منه أن يحب السياسة مجبرا، ولا حتى أن يثق في السياسيين جميعا، ولا حتى أن يكون متفائلا، أريده فقط أن يفكر، أن يسأل نفسه، قبل أن يضع ورقته: “من يستحق أن أمنحه هذه الثقة؟ ومن الذي لم يفهم، طوال الولاية السابقة، أن السلطة ليست امتيازا وإنما امتحان؟ من كان صوته عاليا حين كان في المعارضة، ثم خفت حين أصبح في موقع القرار؟ ومن ظل على المبدأ نفسه حين تغيرت المواقع؟ من كان يبحث عن المواطن حين احتاج صوته؟ ومن بحث عن المواطن حين احتاجه المواطن؟
هذه الأسئلة أهم من كل الخطب التي ستملأ الشوارع، لأنني لا أريد أن أنتخب ذاكرة قصيرة. ولا أريد أن أنتخب صورة، ولا أريد أن أنتخب شخصا لأن أحدا أخبرني أنه رجل المرحلة، أو “كتافو سخان”.
لقد عشنا في هذا الوطن مراحل كثيرة، ورأينا أشخاصا كثيرين، ورأينا كيف يمكن للمقاعد أن تغيّر بعض الناس أكثر مما تغيّرهم المسؤولية، ورأينا أيضا أن هناك من يدخل السياسة ولا يفقد نفسه فيها، وهؤلاء يستحقون أن يُبحث عنهم، لا لأنهم معصومون، بل لأنهم بشر، ولأن السياسة نفسها ليست بحثا عن الملائكة، هي بحث عمن يستطيع أن يتحمل مسؤولية القرار دون أن يتحول القرار إلى وسيلة لخدمة الذات.
لهذا لا أتعامل مع الانتخابات بمنطق “كلهم سواء”، و”كاع أولاد عبد الواحد واحد”، هذه العبارة تبدو في ظاهرها احتجاجا، لكنها في حقيقتها كسَل عن التمييز، وضماد فوق جرح غائر، وتحايل مقصود عن التفريق بين الصالح والطالح…
نعم، هم ليسوا سواء. ولا ينبغي أن يكونوا سواء. بين من يختلف معك وتحترم نزاهته، ومن يتفق معك ولا تثق فيه، مسافة كبيرة، وبين من يخطئ لأنه اجتهد، ومن يخطئ لأنه استفاد، فرق لا يجوز أن ندفنه تحت جملة واحدة: “كلهم واحد”.
أنا لا أؤمن بهذه السهولة، وبهذا التعميم المدجِن.. لأن الوطن ليس بسيطا إلى هذا الحد، ولأن مستقبل الناس ليس لعبة يمكن أن نرميها في سلة اللامبالاة، لهذا أتابع عن كثب البرامج السياسية وتحديدا الحوارية التلفزية، ومواقع التواصل الاجتماعي لكي أبني تصورا وقناعة يوم أصوت، ولكي أقنع ضميري أولا…
نعم، كي أصوّت وأنا أعرف أن السياسة ليست كاملة، نعم، سأصوّت وأنا أعرف أن الاختيار ليس دائما مثاليا، وسأصوّت وأنا أعرف أن من يفوز قد لا يكون خارقا بما يكفي ويرفع سقف طموح هذا الوطن عاليا ويجفف كل منابع القصور والفساد في وطني دفعة واحدة لكنني لن أتخلى عن حقي في المحاولة، في الاختيار، في الترجيح، فأنا لا أريد أن أعيش خارج القرار ثم أشتكي غدا من القرار، ولا أريد أن أقول بعد خمس سنوات: “لو كنت أعلم”، “لو يعود بي الزمن الى الخلف”.
لقد علمنا ما يكفي، ورأينا ما يكفي، وسمعنا ما يكفي، والآن جاء دور الذاكرة. هذه المرة، لا أريد أن يكون السؤال: من وعدنا أكثر؟ أريد أن يكون السؤال: من كان يستحق أن نصدقه؟ ومن هنا تبدأ مسؤوليتي كمواطنة أولا.
لا أستطيع أن أغير كل شيء، لكنني أستطيع أن أرفض أن يتحول غيابي إلى فرصة لغيري، لا أحب أن ألعن الظلام، بل أفضل أن أشعل شمعة في انتظار أن تنير الكهرباء دروب ومنعرحات السياسة في وطني.
أستطيع أن أقول: “إن هذا الصوت لي”، وأن هذه الورقة، مهما بدت صغيرة، ليست مجرد ورقة، إنها خلاصة ما رأيت، وما فهمت، وما اقتنعت به، لذلك سأذهب إلى الصندوق بقي في العمر بقية يوم 23 شتنبر 2026 بلا ضجيج، بلا خوف، وبلا أوهام.
سأذهب فقط لأنني أعرف شيئا واحدا: أن الوطن لا يتغير بالشكوى وحدها، وأن السياسة لا تصبح أنظف حين نتركها للآخرين، بتلويناتهم المرهقة “الفراقشية” سماسرة الذمم، المنافقون، سارقو المال العام، وناهبو بسطاء الوطن.
وأن المواطن الذي يريد وطنا أفضل، عليه أحيانا أن يبدأ بأبسط الأشياء: أن يكون موجودا حين يُطلب منه أن يختار. آسفة إن كان موقفي مزعجا للكثيرين، لكنني أبدا لن أعتذر عن اهتمامي بالانتخابات، بالسياسة في مجملها، ولن أختبئ خلف عبارة “لا شأن لي بالسياسة”، بل سأقولها كما أشعر بها، وكما تعلمتها من السنين: هذه الانتخابات تعنيني لأن هذا الوطن يعنيني.
تعنيني لأنني لا أريد أن أكون شاهدة فقط… ولا مفعولا بها في جملة أنا الفاعل المطلوب فيها، تعنيني لأنني لا أريد أن أترك قراري للصدفة، ولا للمال، ولا للشبكات، وللعلاقات بشتى أصنافها، ولا لمن يجيدون الوصول إلى الصندوق أكثر مما يجيدون خدمة الناس، تعنيني لأنني، ببساطة، أريد أن أكون واحدة ممن يكتبون الجواب، لا واحدة ممن يقرؤون النتيجة ثم يندمون.
آسفة، قد يختلف اختياري مع اختيارك، وقد نختلف في الحزب، وفي المرشح، وفي الطريق، لكنني أرجو صادقة أن نلتقي في شيء واحد: أن نذهب جميعا، أن نختار بوعي، أن نتذكر، أن نحاسب، وأن نفهم أخيرا أن الديمقراطية لا تبدأ من السياسي الذي يطلب صوتنا، بل من المواطن الذي يعرف لمن سيمنحه.
آسفة، انتخابات وطني تعنيني، ولهذا لن أغيب بحول الله.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.