المجيدي رضوان
يبدو أن ديمقراطية اليوم في المغرب قد تحولت عند بعض الأحزاب إلى مسرح يدار بآليات التسويق التجاري المحض والذي لا يفرق بين عمل الشركات التجارية والمؤسسات غير الحكومية سواءً أكانت أحزابا سياسية أم جمعيات مدنية. فلم يعد التنافس عند بعضهم انعكاساً لاختلافات إيديولوجية جذرية أو قناعات مبدئية كمحرك أساسي للنضال، بل أضحى واجهة مهندسة بعناية لتحقيق مكاسب انتخابية دافعها الرئيسي المصالح المحددة سلفا بجميع أشكالها وأنواعها وأنماطها.
إن إظهار التنافس بين حزبين خلال فترة الانتخابات التشريعية هو في جوهره وهم، ويقع ضمن حملات تسويقية استباقية محملة بثقافة مختلفة استعملت من قبل، من خلال استهلاك مواد ترويجية وشعارات انتخابية مستوردة أحيانا ومترجمة بطريقة لا تستوعب السياق المجتمعي والثقافي بالمغرب، مما يبعث شعورا عند عموم المواطنين أنهم غير مستهدفين بالخطاب، فيبدو أن الخطاب تم استنساخه من استراتيجيات السوق التجاري الكلاسيكية حرفيا دون أدنى تعديل.
وما نشهده ونعاينه في هذه الفترة الانتخابية هو تكرار النهج ذاته عبر اعتماد نموذج “احتكار القلة ” (Duopoly) ، حيث يتمثل المشهد في تنافس تجاري شكلي ومدروس مثل الذي نراه بين عمالقة المشروبات الغازية ككوكاكولا وبيبسي، أو كبرى شركات التقنية، أو شركات الائتمان كفيزا وماستركارد بحيث يعتمد على تفاهمات ضمنية لتوزيع حصة السوق، والاكتفاء بخلق تمايز ظاهري يتمحور حول الشكل الخارجي، والشعارات، والخطابات العاطفية، والهويات البصرية، بينما تظل السياسات الجوهرية والبرامج الاقتصادية متطابقة في بنيتها العميقة ، فيتم توجيه انتباه الناخبين نحو صراعات هامشية محسوبة لتأطير خياراتهم وحصرها داخل علامتين تجاريتين وفي هذه الحالة بين علامتين “سياسيتين” فقط، وهذا خير دليل على الخوف والحذر والارتباك.
إن استراتيجية الإيهام بالتقاطب الحاد بين حزبين، يعد تعبيرا مباشراً لحالة من الخوف والفزع التي تنتاب القوى المهيمنة من نتائج صناديق الاقتراع، ولذلك تلجأ غرف العمليات الانتخابية إلى شحن الفضاء العام بخطاب ثنائي صدامي في الظاهر ليس بدافع القوة، بل بدافع إدراك مدى هشاشة شرعيتهما وتراجع قواعدهما الشعبية بناءا على الوضع الحالي ونتائجه الضعيفة.
إن هذا الاستقطاب المصطنع يعكس فزعاً حقيقياً من وعي الناخب وإمكانية عزوفه عن المنظومة التقليدية والالتجاء إلى خيار بديل؛ لذا يتم اختلاق هذه الحالة من الاستنفار الدائم والمتوتر من أجل إجبار الجماهير على الاصطفاف الغرائزي دون أدنى مقاومة أو أبسط تحليل منطقي، والتصويت بدافع الخوف من الآخر بدلاً من التصويت بناءً على تقييم البرامج والإنجازات، مما يسهل إغراق النقاش العمومي في أمور لا معنى لها ولا فائدة منها، وذلك من خلال استعمال نفس الآليات والبرامج التسويقية المستوردة مرة أخرى مع إساءة واضحة في تنزيلها عمليا.
والواضح أن هذه الهندسة التسويقية مستمرة للإيحاء بأن نجاح أحد الحزبين أو كلاهما حتمي لا مفر منه، بل يتم دعم ذلك بتوظيف استطلاعات رأي موجهة، وتحليلات إعلامية وجميع أنواع البروباكاندا من أجل بناء سردية ترويجية تحاول إقناع الرأي العام بأن أي خيار خارج هذا الثنائي هو صوت مهدور وخيار نحو المجهول، وأن المواطن ليس لديه إلاّ خيارين، إما انتخاب أحد الحزبين أو كلاهما وإمّا الكارثة المحققة، وأن المجرب، أي الأحزاب الأخرى بكل تشكيلاتها، لا يجرب مرة ثانية، ومن يحاول ذلك فإن “عقله مخرب” كما يقول المثل الشائع. ومن خلال ما سبق يظهر أن الأهداف الأساسية من هذه الحتمية المصطنعة تتلخص في الآتي:
1- تحييد البدائل الحقيقية، وذلك من خلال محاولة تشويه أي حزب منافس يحمل مشروعاً بديلاً يهدد مصالح المنظومة القائمة، ويقاوم استمرار اللا معنى واللا جدوى في العمل السياسي والتحول الديموقراطي.
2- إقصاء القوى الصاعدة، وذلك من خلال حرمان التيارات المستقلة من التغطية الإعلامية والموارد، وتصويرها كأطراف هامشية عاجزة عن إحداث أي أثر حتى لو انتخبت، ولا يرجى منها أي فعل، وأي دعم لها بمنحها قيمة وموارد هو استثمار في الفشل.
3- محاصرة التغيير الجذري والحقيقي عبر حصر التداول السياسي في تدوير أو استنساخ الوجوه داخل الدائرة نفسها لضمان استمرارية الوضع الراهن، ودفع الطاقات المثقفة والأكاديمية والشابة الواعدة رجالا ونساءا نحو خيار اليأس وعدم المشاركة السياسية لضمان بقاء دار لقمان على حالها فيفرغ المجال لممتهني السياسة وتجار الوهم والبؤس واللامعنى واللاجدوى.
إن اختزال المشهد السياسي المغربي اليوم في ثنائية وهمية وتنافس حصري بين حزبين يؤكد بالملموس أزمةً حقيقية وعميقة للمنظومة السياسية من خلال آلية الانتخابات تحديدا، وهذا ما يقف عليه بشكل واضح وجلي كل متابع لتطور الممارسة السياسية في بلادنا دون الحاجة إلى امتلاك كثير من المعطيات وأدوات التحليل المعروفة، فسرعان ما يتبين أنّ هذه الثنائية مجرد حيلة دفاعية، يظن أصحابها أنها توفر الحماية لمصالح القوى التقليدية، ولكن في واقع الأمر هي تعبير عن الشعور بما ستأول إليه.
إن المضي في مسار تحويل العملية الديمقراطية برمتها، من أداة للتغيير السلمي في إطار الشرعية والاستقرار، إلى مسار استهلاكي مغلق وموجه، سيؤدي لا محالة إلى تعميق الأزمة ومضاعفة التوترات، وتفاقم ظواهر اليأس والبؤس وفقدان الأمل. إن هذا الوضع المحزن والمؤسف الذي نعيشه اليوم، يشكل خطورة على مسار بلدنا الذي يسعى لتثبيت مكانه ضمن مجموعة الدول الصاعدة كما يؤكد على ذلك دائما صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه وسدد خطاه ورزقه الصحة والعافية في خطبه من خلال برامجه المستقبلية والاستراتيجية.
إن استراتيجيات الاستقطاب والتسويق السياسي الذي نشاهده اليوم، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل سلوك الناخبين بشكل جذري، سعيا لإنتاج تأثير مزدوج يجمع بين التعبئة اللحظية القائمة على الخوف وعلى تآكل المشاركة السياسة الواعية على المدى البعيد، سيضرب حتما في العمق التحول الديموقراطي الذي نص عليه الدستور المغربي سنة 2011. وحسب تقديري الخاص واستنادا إلى معطيات وتحاليل وبحوث رصينة تؤكد في مجملها بما لا يدع مجالا للشك أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى أنماط أربعة من السلوك الانتخابي:
1) الانسحاب المدني الممنهج: شعورعموم المواطنين بزيف التنافس وتشابه السياسات الفعلية للمتحزبين وباللاجدوى (Political Alienation). فتتراجع نسب المشاركة الإيجابية، لا سيما بين الشباب والفئات المثقفة خاصة من الطبقة الوسطى، نتيجة قناعة راسخة بأن الاقتراع لن يحدث تغييراً ملموسا، وهذا العزوف ينتج عن سلوك تراكمي لإخفاقات متتالية للمنظومة السياسية.
2) التصويت العقابي والسّلبي: يتحول دافع الذهاب إلى الصندوق من “تأييد برنامج يحمل حلولاً حقيقية” إلى “منع الطرف الآخر من الفوز” (Negative Partisanship) هذا النمط ينتج مشاركة انتخابية مشحونة عاطفياً ومبنية أحيانا على الكراهية بدلاً من تقييم الأداء والمنجزات.
3) ظاهرة “الصوت المهدور” : تسويق حتمية فوز حزبين يدفع الناخبين المقتنعين بالبدائل الجديدة إلى مقاطعة الانتخابات أو الرضوخ لخيار “أهون الشرين أو أقل الضررين”، مما يحرم المشهد من التجديد وتداول السلطة الفعلي.
4) تراجع جودة الممارسة الديمقراطية: انحسار النقاش العام حول الملفات الحيوية مثل الاقتصاد، والتعليم، والصحة والتشغيل والتنمية المستدامة، لحساب المعارك السطحية والهامشية، وهو ما يفقد العملية السياسية وظيفتها الأساسية في التشريع والرقابة والمحاسبة.
إن واقع اليوم يمكن إدراكه بالنظر الفاحص ومن خلال الممارسة الميدانية، لكن يبقى السؤال المهم والمعقد والمركب قائما وملخصا، فما هو الحل إذن؟
أعترف بداية أن الجواب لن يكون بكلمة سحرية، أو حركة إعجازية أو كرامة غيبية. وفي اعتقادي وحسب تقديري المتواضع أن أي حل مقترح أو جواب يجب أن تؤطره العناصر الآتية:
1) فهم نواميس وسنن الكون في التغيير الحقيقي والأثر الإيجابي في المجتمعات، وأن كل فعل وتحرك خاضع لهذه القوانين والسنن الكونية، فلا شيء يتغير أو يتطوربناءا على أمانينا مهما صلحت، ولا على تخميناتنا مهما صدقت، ولا على جهودنا غير الواعية مهما كثرت وتنوعت وتعددت، إنما هي قوانين كونية تسري على كل الشعوب والأجناس بكل خلفياتهم ودون تمييز.
2) استيعاب حقيقة ما يجري اليوم في بلدنا استنادا إلى المعطيات الحقيقة عوض الأخبار الزائفة.
3) التخلص من العقلية الاقصائية من قبل المجتمع السياسي، وذلك بالعمل على ترسيخ التعددية الحقيقية ونشر ثقافة الاختلاف والتنوع في إطار من التنافس النزيه بين المشاريع والأفكار والاحترام المتبادل بين كل الأطراف والإنصاف لكل القوى الحية في البلاد.
4) الإيمان صدقا بحق جميع المواطنين المغاربة في الحق الأصيل في المواطنة والعيش المشترك داخل هذا الوطن وكل ما يترتب على ذلك من الواجبات والحقوق دون تمييز.
5) حث المواطنين على المشاركة في استحقاق 23 شتنبر 2026 بكثافة غير مسبوقة حتى يؤدي المواطن واجبه بنفس المستوى الذي يطالب به حقوقه، مع تركيز خاص على الفئات الصامتة والمتدمرة من الوضع، وإقناعها بأن عدم المشاركة في اختيار ممثليها يشكل مشاركة سياسية كذلك لكن بصورة جد سلبية، فنتيجتها المؤكدة هي تثبيت الفراغ وإبقاء الأمر على ما هو عليه، أما ممارسة حق التصويت حسب قناعات كل مواطن من خلال عملية انتخابية نزيهة وشفافة وديموقراطية فمن شأنها أن تدفع حتما في اتجاه إعطاء المعنى للفعل السياسي، وترشيد المشاركة المدنية وتفعيل آليات المدافعة السلمية بين التيارات والأحزاب والبرامج والأفكارمع الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن في التغييروالتطوروبث وترسيخ روح الأمل عند المواطن، فبدون إحياء هذا الأمل وتثبيته وتنميتة لن تنفع اليتراتيجيات ولا الخطط في حل الأزمات المركبة وستبقى حبرا على ورق.
وأخيرا وليس آخرا، يبدو أننا اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم، وأمام تحديات استراتيجية مركبة ومعقدة وعميقة، مما يحتم مراجعة الحسابات لإعادة الثقة للمواطنين في مستقبل وطنهم وبعث الأمل عندهم، من خلال احترام عقولهم واحترام قناعاتهم واحترام خياراتهم، وهذا لا يتم إلا من خلال التخلي عن الانزلاقات التي تعرفها الساحة السياسية والتي يراد لها أن تحسم نتائج الانتخابات قبل أوانها. فهل سنستفيد من تجارب ما يجري من حولنا في العالم؟ أم أننا سنواصل المضي في هذا المسار الذي تأكدت مآلاته التي يعاني منها الكثير.
ذلك ما ستخبرنا به الأيام القادمة، وكما يقول المثل المغربي “المغطي بالزمان عريان”.
المجيدي رضوان، باحث في السياسات العمومية وفي تدبير منظمات المجتمع المدني
