من يستفيد حقا من مقاطعة الانتخابات؟

عبد اللطيف الحاميل


يتجدد مع كل انتخابات تشريعية أو محلية سؤال الجدوى من المشاركة في هذه الاستحقاقات مادامت صناديق الاقتراع لا تفرز صناع القرار الحقيقيين. ومادام الفعل العمومي في يد جهات أخرى غير منتخبة، وما دمنا بعيدين عن شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومادامت القوانين الانتخابية نفسها لا تشجع على المشاركة من خلال اعتماد قاسم انتخابي يساوي بين من يشارك في عملية التصويت ومن يكتفي بالمتابعة والتعليق.
وهو سؤال مهم لكنه يخفي غابة من الأسئلة الأكثر أهمية من قبيل المستفيد الحقيقي من مقاطعة الانتخابات؛ وهل ساهمت هذه المقاطعة في تطوير العملية السياسية في بلادنا أم أنها قدمت خدمات جليلة للسلطوية، وما هو البديل؟ فالمقاطعة ليست غاية في حد ذاتها، وهل تملك هذه الآلية أي معنى في ظل مجتمع لازال يعاني من الهشاشة والأمية وقلة الوعي السياسي، ثم هل قياس مقاطعة الانتخابات على المقاطعة الاقتصادية مُجْدٍ مع وجود هذا الكم من الفوارق؟
غالبا ما لا ينتبه دعاة المقاطعة لمثل هذه الأسئلة وغيرها لأن المقاطعة في نظرهم هي الغاية، بل هي غاية الغايات وبعدها لكل حادث حديث. لأن المستفيد من هذه المقاطعة هي السلطوية نفسها التي يدعي المرجون للمقاطعة محاربتها. فعكس ما يعتقد هؤلاء يؤدي عدم المشاركة في الانتخابات إلى إضعاف الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة فقط. وبالتالي، إلى إطالة أمد الفساد والاستبداد.
التصويت لم يكن دائما حقا طبيعيا من حقوق الإنسان، بل جاء نتيجة صراعات طويلة بين الحكام والمحكومين. فكيف يستساغ اليوم التنازل عن هذا الحق بهذه السهولة بدعوى وجود اختلالات هنا أو هناك؟ ومن طرف من؟ الفئة التي يفترض فيها أن تقود عملية المشاركة. فهل ينتظر أصحاب هذا الموقف السلبي إلى أن يصبح المغرب دولة ديمقراطية مكتملة الأركان حتى يقولوا بالمشاركة. وما فائدتهم آنذاك؟
ولذلك فإن التصويت، بما في ذلك التصويت العقابي، هو المدخل الأساسي لتطوير الحياة السياسية والمؤسساتية. كما أن المشاركة المكثفة في الانتخابات هي المدخل الأول والأخير لحماية الإرادة الشعبية وتطهير هذه العملية من الممارسات الفاسدة التي تنتعش في خضم المقاطعة.
في كتابهما “لماذا تفشل الأمم؟ أصول السلطة والازدهار والفقر” قدم الخبيران السابقان في البنك الدولي دارن اسيموجلو وجيمس أ. روبنسون قراءة رصينة لفهم وإدراك السبب وراء وجود فوارق كبيرة في حجم اللامساواة في العالم والعوامل التي تتسبب في وجودها وأبرزا دور الشعوب في التحول نحو مؤسسات سياسية واقتصادية شاملة ودامجة للجميع. وهذا لا يمكن أن يتم بطبيعة الحال عبر المقاطعة!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.