محمد السباعي
لا يوجد اليوم، من الناحية السياسية، ما يسمح بالحديث عن استقطاب انتخابي محسوم سلفا؛ ولا ما يبرر التعامل مع رئاسة الحكومة المقبلة باعتبارها نتيجة مقررة لفائدة هذا الطرف أو ذاك؛ وما يُروَّج له في هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون محاولة لهندسة توقع انتخابي مسبق، يراد منه دفع الرأي العام تدريجيا إلى استبطان فكرة أن حزبا بعينه يتجه حتما نحو التصدر، قبل أن تنطلق المنافسة الفعلية وقبل أن ينطق صندوق الاقتراع.
لكن المسألة، في تقديري، تتجاوز حدود التنافس بين الأحزاب؛ ذلك أن نزاهة العملية الانتخابية في السياق المغربي الراهن ليست شأنا داخليا محضا يتعلق بجودة الممارسة الديمقراطية فحسب، بل تكتسي بعدا استراتيجيا يمس صميم مصالح الدولة، ومصداقية ترافعها عن قضيتها الوطنية الأولى.
فالمغرب يقدم مبادرة الحكم الذاتي أمام المنتظم الدولي بوصفها حلا سياسيا واقعيا وذا مصداقية، يقوم على تمكين ساكنة الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونها عبر مؤسسات تمثيلية منتخبة، وممارسة ديمقراطية تضمن التعبير الحر عن إرادتها السياسية؛ ومن ثم فإن قوة هذا الطرح لا تنفصل عن قدرة النموذج المؤسساتي المغربي على تقديم ضمانات فعلية بشأن نزاهة التمثيل، وحرية الاختيار، واحترام الإرادة الشعبية؛ وهنا بالضبط تبرز مسألة الاتساق بين الممارسة السياسية الداخلية والترافع الخارجي للدولة، فليس من المنطقي أن نُدافع خارجيا عن نموذج قائم على التمثيلية والاختيار الحر، بينما نسمح داخليا بترسيخ انطباع مفاده أن النتائج محسومة قبل أن يتكلم الناخبون.
إن مصداقية الدول في الدفاع عن مشاريعها لا تتأسس على قوة الحجة القانونية والسياسية وحدها؛ بل تتعزز أيضا بقدرتها على تقديم نموذج مؤسساتي يسند خطابها؛ وكلما رسّخ المغرب انتخابات تنافسية ونزيهة، وضمن استقلال الإرادة الانتخابية، ازدادت قوة حجته وهو يقدّم الحكم الذاتي مشروعا قادرا على إنتاج مؤسسات ذات شرعية ديمقراطية حقيقية؛ بهذا المعنى، تصبح نزاهة الانتخابات جزءا من الرصيد الاستراتيجي للدولة، لا مجرد مطلب حزبي أو موضوع صراع بين الأغلبية والمعارضة.
ومن هذه الزاوية بالذات، فإن من يسوّق لنفسه أو لحزبه باعتباره قد ضمن النتائج قبل أن يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع، لا يسيء فقط إلى قواعد التنافس الديمقراطي؛ بل يقدّم، من حيث يدري أو لا يدري، خدمة مجانية لكل من يسعى إلى التشكيك في صدقية النموذج الديمقراطي المغربي، وفي الضمانات التي يقدمها المغرب لإنجاح مشروع الحكم الذاتي.
من حق كل حزب، بطبيعة الحال، أن يطمح إلى التصدر، وأن يعمل من أجل ذلك، وأن يسعى إلى إقناع المغاربة ببرنامجه؛ لكن تحويل هذا الطموح المشروع إلى خطاب يوحي بأن النتيجة حسمت سلفا أمر مختلف تماما؛ لأن أثره لا يتوقف عند حدود المنافسة الحزبية، بل يضعف الثقة في العملية الانتخابية برمتها، ويمنح خصوم المغرب مادة للطعن في مصداقية نموذجه المؤسساتي، ويضر بحجة بلاده في واحدة من أهم معاركها الدبلوماسية.
الانتخابات النزيهة قد تمنح الفوز لحزب والخسارة لآخر، وتُعيد رسم موازين القوى، وهذا أمر طبيعي في كل نظام تعددي؛ أما ما لا ينبغي أن يكون موضوعا للمغامرة أو الحسابات الحزبية الضيقة، فهو مصداقية الدولة وقوة ترافعها عن قضيتها الوطنية الأولى؛ ومن هنا، فإن من يسوّق لانتخابات محسومة سلفا قد يظن أنه يخدم حزبه، بينما هو، في المحصلة، يضر بالقضية الوطنية وبالوطن معا.
