الهلالي يكتب: في تفكيك تبريرات الهجوم على العدالة والتنمية وخوض حملة انتخابية ضده من موقع المقاطعة

لم يجد البعض ما ينتقد به حزب العدالة والتنمية لتبرير انخراطه الهستيري في حملة انتخابية ضده من موقع المقاطعة لغرض مجهول ودون أن نعرف لفائدة من، سوى القول إن الحزب تحالف مع الفاسدين وسيتحالف معهم لاحقا.
مشكل هؤلاء هو أنهم يحاكمون الحزب إلى نفس منطقهم في المشاركة وإلى اشتراطاتهم عليها لكي يتواضعوا ويتفضلوا بالمشاركة السياسية فيها.
هؤلاء ينسون أن الاستبداد الذي بواجهونه بالشفوي ويخلون له الجو ليسرح ويمرح ويتمدد بوعي أو بدونه ولا يكلفون أنفسهم عناء الاشتباك معه من المسافة صفر.
هذا الاستبداد هو من سيج نفسه لمنع وصول من تختاره الارادة الشعبية ليحكم ومن ينفذ البرنامج الحائز على ثقة الناس من خلال التحكم المسبق في نتائج الانتخابات وفي خرائطها السياسية خاصة في ضوء مشاركة ضعيفة وأحزاب تفقد استقلاليتها وحركات انعزالية ومبتعدة عن العملية الانتخابية، ولذلك فهامش الاختيار في تحديد مع من تحكم يضيق ولا يكون فيه متسعا للخيارات المتاحة.
والعدالة والتنمية لا ينتمي إلى منطق كل شيء أو لا شيء أو إلى التغيير الطفروي بل إلى منطق التدرج والتراكم وعدم التعجل في جني الثمار، ومن هنا فهو مجبر بالتحالف من يختاره الناس من الأقل سوء والأقل ضرر ولا سيما عندما تتوفر لديه إمكانية منع هذا السوء ودفع هذا الضرر من موقع قيادة التحالف كما كان في التجربة السابقة التي يبخسونها لحسابات ضيقة وليس لشيء آخر لأن تضارب المصالح والغلاء وتغول الفساد وتصاعد مؤشراته وسحب أو تعطيل قوانين ردعه كل ذلك لم يظهر إلا بعد إسقاط التجربة.
وللوقوف على هذه المفارقة وتفكيك هذا التبرير يتعين استحضار المنهجية الشرعية التي تحكم منطق المشاركة كما يؤمن بها حزب العدالة والتنمية وليس سواه. وهي منهجية شرعية مقاصدية تقول بفقه الموازنات وفقه المآلات ومنهج التغليب والتقريب.
وإعمالا لهذا الفقه فإن الفساد دركات ومراتب أخطره الفساد في الدين والعقيدة ثم فساد القيم والأخلاق ثم الفساد الإداري والمالي. كما أن الفساد في المنهج ليس هو الفساد في المسلك ومن يفسد الدين ليس كمن يفسد في النفس ومن يفسد الأنفس ليس هو من يفسد في الأعراض وليس كمن يفسد في الأموال.
ومن زاوية الفقه السياسي الشرعي فان تكون مضطرا والقانون أضرار بلا خلاف، ليس أن تكون مختارا في تحديد مع من تتحالف.
وفي موقع الاضطرار أنت معني باختيار الفساد الأدنى لدفع الفساد الأعلى إعمالا لفقه المقاصد الشرعية لأنك لا تكون دائما في وضع للاختيار بين مصلحة محضة ومفسدة محضة وإنما بين مصلحة راجحة ومصلحة مرجوحة أو بين مفسدة صغرى ومفسدة كبرى، وداخل المفسدة من نفس الحجم، بين مفسدة تعود بالضرر على العقيدة والدين أو على القيم والأخلاق أو على الأنفس والأعراض، أو على الأموال والممتلكات …
لكن المشكل الحقيقي هو أن تكون في وضع تملك فيه الخيار ولا تكون فيه مضطرا للتحالف والتعاون وتختار التحالف مع فساد عقدي وديني لجلب مصلحة مختلف حول رجحانها ومنفعتها لعموم الأمة وليس لجماعة من جماعاتها، بل قد تكون عند الغالبية من علمائها مصلحة موهومة ومرجوحة.
أو أن تكون بصدد دفع مفسدة من مستوى معين وتملك خيارات واسعة وعريضة بديلة عن الاستعانة بالفاسد عقديا ودينيا مع وجود المصلح أو مرتكب فساد أدنى من الفساد في الدين والعقيدة والرؤية الوجودية للغيب والشهادة، من قبيل الاستعانة على التغيير بحزب ماركسي لا ديني لا يؤمن بغيب، وله مواقف ضد الثوابت للدينية والقطعيات الشرعية والمصالح الوطنية.
فهذا أشنع من التحالف الانتخابي المؤقت والعابر مع الفاسد في الأموال ومن موقع تملك في القدرة على منع فساده الظاهر كما كان مع أصحاب شركات المحروقات التي لم يمنع التحالف معهم من قطع اغترافهم من المال العام ومنعهم من الزيادة في الأسعار طيلة عشر سنوات رغم الأزمات التي أدت إلى ارتفاع الكلفة وارتفاع الأسعار الدولية، خاصة في حال يوجد قانون ومؤسسات يقع عليها واجب ومسؤولية معاقبته المفسد وعدم افلاته من العقاب، لأن محاربة الفساد لا تتم بشرع اليد بل بالقانون.
ومع كل ذلك يسوغ للبعض أن يتحالف مع الفاسد عقديا وقيميا لإقامة تحالف استراتيجي لما يسميه التغيير ويعيب على غير أو هو في وضعية اضطرار قانوني أن يتحالف من أجل تطبيق إرادة الناس الذين اختاروه لقيادة للحكومة واختاروا معه آخرين للمشاركة فيها أو معارضتها. إنها لمفارقة عجيبة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.