صيادلة “المصباح”: الولاية الحكومية الحالية بصمت على حصيلة من الإخفاقات تهدد الأمن الدوائي واستدامة المنظومة الصحية

أكد الائتلاف الوطني لصيادلة العدالة والتنمية، برئاسة أمين بوزوبع، أن تقييم الولاية الحكومية الحالية في مجال الصحة والدواء والصيدلة يفرض، بكل موضوعية ومسؤولية، الوقوف عند مجموعة من الاختلالات العميقة التي عرفها القطاع، والتي لم تنجح الحكومة في معالجتها رغم ما راكمه المهنيون من مقترحات وتنبيهات، ورغم الطابع الاستراتيجي لهذا القطاع بالنسبة للصحة العمومية والأمن الدوائي والسيادة الوطنية.
وذكر الائتلاف في بلاغ تقييمي لحصيلة الحكومة، توصل به الموقع، الجمعة، أن الحكومة أعلنت عن جعل إصلاح المنظومة الصحية والتغطية الصحية الشاملة إحدى أولوياتها الكبرى، إلا أن واقع قطاع الدواء والصيدلة يكشف عن مفارقة شاسعة بين الخطاب والممارسة، وبين الأهداف المعلن عنها والنتائج المحققة.
وأضاف، فمن أبرز إخفاقات هذه الولاية الحكومية عدم معالجة الوضع التنظيمي للهيئة الوطنية للصيادلة، التي ظلت انتخابات مجالسها معطلة منذ سنة 2017، بما أدى إلى غياب مؤسسة مهنية شرعية منتخبة، وقادرة على الاضطلاع بدورها الكامل كمحاور رسمي في بلورة وتنفيذ السياسات الدوائية الوطنية.
وشدد أن هذا الوضع انعكس سلبا على استقرار المنظومة الدوائية واستقرار الصيدليات على حد سواء، بما بات يهدد مستقبلهما في خدمة الصحة العامة، ولاسيما عقب التفاف الوزارة الوصية على المقاربة التشاركية التي تمنح المهنيين المساهمة في صياغة القرارات التي تمس استقرار القطاع الصحي برمته.
وأضاف الائتلاف، كما تفاجأ القطاع الصيدلي خلال هذه الولاية، بعدد من القرارات والتوجهات التي تتنافى مع الالتزامات المعلن عنها في المحاضر المشتركة الموقعة مع النقابات الوطنية للصيادلة بشأن الملفات الإصلاحية للقطاع من خلال ترجمة هذه الالتزامات ومنطق التشاركية إلى مخرجات فعلية. فعوض بناء علاقة مؤسساتية مبنية على حوار مؤسساتي مسؤول، تم اعتماد عدد من التوجهات بشكل أحادي، دون التفات لمبدإ المقاربة التشاركية التي يفترض أن تحكم إصلاح قطاع بهذه الحساسية.
وأضاف، حيث حذر المهنيون في حينه من أن بعض هذه الاختيارات، خصوصا تلك المرتبطة بالاقتصاد الدوائي وتسعيرة الأدوية وتنظيم السوق من خلال مراجعة المرسوم الوزاري المتعلق بمسطرة تحديد أثمنة الدواء بمنطق غير مبرر وآليات تفتقد للحكامة، قد يؤدي إلى إرباك استقرار الصناعة الدوائية الوطنية وإضعاف الصيدليات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز إنتاجها المحلي وسيادتها الدوائية والنهوض بصيدلياتها كمرافق صحية للقرب، لا إلى تعريضها لمخاطر إضافية.
وتوقف المصدر ذاته عند ظاهرة انقطاع الأدوية من الصيدليات، قائلا إنها تجاوزت مستوى الاختلال الظرفي لتأخذ أبعادا مقلقة ومهددة لصحة المواطنين، منبها إلى أن خطورة هذه الظاهرة تزداد عندما يتعلق الأمر بالأدوية الأساسية والأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة، حيث يمكن أن يؤدي عدم توفر العلاج إلى توقف المرضى عن بروتوكولاتهم العلاجية، بما قد ينعكس مباشرة على صحتهم.
ويرى الائتلاف أن استمرار انقطاع الأدوية لا يمثل فقط مشكلة مهنية للصيدليات، بل هو قضية صحة عامة وأمن دوائي وسيادة وطنية، كما يمكن أن ينعكس على ميزانية الصحة وعلى استدامة توازنات صناديق التأمين، من خلال ارتفاع كلفة التكفل بالمضاعفات الصحية الناتجة عن عدم انتظام العلاج.
وبشأن مسار ورش التغطية الصحية الشاملة، ذكر الائتلاف أنه بدوره يثير عددا من علامات الاستفهام. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه مساهمة الدولة في تمويل التغطية الصحية عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من مستويات كانت في حدود ملياري درهم إلى حوالي 9 مليارات درهم، تراجع عدد المستفيدين من الفئات الهشة التي كانت تغطيها منظومة المساعدة الطبية من حوالي 18 مليون مواطن مغربي إلى نحو 10 ملايين مستفيد وفق آليات الاستهداف الجديدة.
وشدد أن الانتقال من 18 مليون مستفيد من نظام “راميد” إلى عدد أقل من المستفيدين، في الوقت الذي يتم فيه رفع الاعتمادات المالية، يستوجب تقييما شفافا ومستقلا لمدى موضوعية معايير الاستهداف، ومدى احترامها لمبدأ عدم التراجع عن المكتسبات الاجتماعية للمرحلة ما قبل سنة 2021.
وذكر أن التغطية الصحية الشاملة لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بالحكامة الجيدة في صرفها وبعدد المواطنين الذين استطاعوا فعليا الولوج إلى العلاج والدواء دون عوائق مالية أو إدارية.
من جانب آخر، قال البلاغ إن طريقة تدبير بعض صفقات الأدوية العمومية، وما يرافقها من تضارب محتمل في المصالح أو تداخل بين المصالح الاقتصادية ومراكز القرار، تثير مخاوف جدية على مستقبل المنظومة الدوائية الوطنية، والذي يستوجب مستقبلا أعلى درجات الشفافية والرقابة، مع نشر المعطيات المرتبطة بالصفقات ومسارات اتخاذ القرار، لضمان قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح أو استغلال لمواقع المسؤولية.
وفي سياق هذا التوجه الذي يفضي إلى تنافس غير متكافئ بين فاعلي الصناعة الدوائية الوطنية، يقول المصدر ذاته، يثير التحول الحالي الذي يعرفه السوق الوطني للأدوية قلقا متزايدا، بسبب تراجع محتمل في الاعتماد على صناعة الأدوية محليا مقابل الارتفاع الواضح في الاعتماد على مبدإ الاستيراد.
واعتبر أن إضعاف الصناعة الوطنية للدواء ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو قضية سيادة وطنية وأمن دوائي، أثبتت الأزمات الدولية الأخيرة أن الدول لا تستطيع أن ترهن حاجاتها الأساسية إلى الدواء للخارج.

القطاع الصيدلي
واسترسل، أما الصيدليات، باعتبارها مرافق صحية للقرب وأحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الصحية، فقد وجدت نفسها خلال هذه الولاية الحكومية أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة. ففي الوقت الذي يهدد ثلث صيدليات المملكة شبح الإفلاس، رغم الأهمية الحساسة التي تكتسيها هذه المرافق الصحية للقرب من المواطن، إلا أن الحكومة الحالية سجلت غيابها التام في مواكبتها وفق إصلاحات هيكلية متاحة لا تستوجب سوى الإرادة السياسية؛ مما جعل العديد من الصيدليات تعيش اليوم أوضاعا اقتصادية حرجة تهدد استمراريتها، في ظل ارتفاع الأعباء والتكاليف وتراجع هوامش الربح واختلالات السوق.
وتابع، ففي الوقت الذي انتظر فيه القطاع الصيدلي تفعيل الالتزامات الحكومية المتعددة اتجاهه، باعتباره قطاعا مرتبطا بالخدمة الصحية العمومية، وأن تضع إجراءات اقتصادية ومهنية حقيقية لإنقاذ الصيدليات والحفاظ على شبكة التوزيع الدوائي التي تغطي مختلف مناطق المملكة؛ فوجئ المهنيون بصدور توصيات من مجلس المنافسة تتعلق بفتح رأسمال الصيدليات، بما يفتح الباب أمام دخول مستثمرين، أو ما يصطلح عليهم حديثا بالفراقشية، إلى قطاع شديد الحساسية؛ وهو ما قد يؤدي إلى تغيير جذري في بنية سوق الأدوية، وانتقال القطاع تدريجيا من نموذج الصيدلية المهنية المستقلة إلى نموذج تهيمن عليه مجموعات مالية واقتصادية، مع ما سيترتب عليه من تسليع للأدوية وارتفاع أسعارها بسبب التركيز الاقتصادي والتحكم والمضاربة في هذا القطاع الحساس من جهة، وما سيحدثه من اضطراب في تشريد الآلاف من الأطر الصيدلانية ومساعديهم من جهة أخرى.
وأردف، أوضاع كلها، من شأنها أن تسهم في كارثة اجتماعية وتهديد سلامة المواطنين أمام صيدليات بمنطلقات ربحية مجردة من الأخلاقيات التي تؤطر الصيدلية المغربية، وما سيتبعه من أثر مباشر على نفقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وعلى ميزانية الدولة المخصصة للصحة، بما قد يهدد استدامة ورش التغطية الصحية الشاملة نفسه.

أفق التغيير
أكد الائتلاف الصيدلي أنه انطلاقا من تجربة جائحة كوفيد، وفي أفق استعداد المملكة لاحتضان كأس العالم، تبرز الحاجة إلى منظومة صحية قوية ومستدامة، يكون فيها المواطن في صلب كل إصلاح، وتكون الصيدلية الوطنية شريكا أساسيا في الرعاية الصحية.
ويرى الائتلاف أن المرحلة المقبلة تستوجب تغييرا حقيقيا في تدبير قطاع الدواء والصيدلة، يضمن الأمن والسيادة الدوائيين، ويدعم استدامة الصيدليات، ويواكب تطورها المهني والخدماتي.
وشدد البلاغ أن الرهان الحقيقي ليس فقط أن نستقبل العالم سنة 2030، بل أن نضمن لكل مواطن مغربي حقه في العلاج والدواء، وأن ننجح في تعميم التغطية الصحية لتشمل جميع المواطنين والارتقاء بالمستشفيات العمومية وبالصيدليات الوطنية لتكون في مستوى تطلعات المواطن ومغرب المستقبل.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.