حمورو يكتب: لماذا يشارك حزب العدالة والتنمية في انتخابات 23 شتنبر 2026؟

حسن حمورو


ثمة سؤال كبير يُطرح حول مبررات مشاركة حزب العدالة والتنمية في انتخابات 23 شتنبر 2026، بعد كل ما جرى منذ انتخابات 2021.
الجواب، في تقديري، لا يوجد فقط في حسابات المقاعد والدوائر الانتخابية، ولا في الرغبة في استعادة ما ضاع من مواقع، بل هناك خلفية سياسية وفكرية تحكم هذا الإصرار على المشاركة، مفادها أن الحزب، مهما كانت نتائج الانتخابات ومهما كان موقعه في ميزان القوة، لا يريد أن يتخلى عن اختياره القائم على المشاركة السياسية، وألاّ تكون الهزيمة الانتخابية طريقا إلى الانسحاب من الحياة العامة.
فالعدالة والتنمية يشارك لأنه يؤمن بأن المقاطعة لا يمكن أن تكون جوابا دائما على أزمة السياسة في المغرب، ذلك أنه منذ دخوله الحياة الحزبية والمؤسساتية، ظل يقدّم المشاركة باعتبارها إحدى وسائل الإصلاح والتأثير في المجتمع والدولة، ولذلك فإن خوض انتخابات 2026 ترسيخ وتأكيد على تمسك الحزب بمنهجه، واستمرار عليه في ظرف سياسي مختلف تماما عن الظروف التي عرفها الحزب قبل 2021.
والمشاركة، بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، مرتبطة أيضا بأطروحة ظل يدافع عنها طويلا عنواها الإصلاح من داخل المؤسسات، وفي إطار الاستقرار، وهي أطروحة تجعل من المؤسسات المنتخبة مجالا للصراع السياسي المشروع، ومن الانتخابات وسيلة للتغيير والإصلاح، ومن التداول على المسؤولية جزءا من الحياة السياسية الطبيعية، لذلك فإن وجود الحزب في المعارضة لم يلغي هذه الأطروحة، كما أن خروجه من الحكومة لم يدفعه إلى مغادرة المؤسسات.
ثم إن الحزب لا يدخل الانتخابات باعتباره تنظيما عاديا يبحث عن موطئ قدم في البرلمان، أو تعزيز حضوره فيه، وإنما باعتباره حزبا تؤطره وظيفة دستورية وسياسية وهي المساهمة في تأطير المواطنين والتعبير عن إرادتهم وتمثيلهم، وهذه الوظيفة لا ترتبط بوجود الحزب في الحكومة، بل تستمر كذلك في المعارضة.
لكن كل ذلك لا يلغي الحقيقة الأبرز وهي أن انتخابات 2026 هي أول امتحان انتخابي كبير للعدالة والتنمية بعد زلزال 2021، الذي شكّل أقسى الضربات الانتخابية في تاريخ الحزب، بعد أن انتقل من قيادة الحكومة لولايتين متتاليتين إلى المعارضة، وتراجع حضوره البرلماني من 125 مقعد إلى 13 فقط، مما حذا بالكثيرين إلى اعتبار هذه النتيجة وكأنها إعلان لنهاية مرحلة الحزب، وربما نهاية الحزب نفسه، غير أن السياسة لا تُحسم دائما في لحظة واحدة.
فالأحزاب وخاصة الكبرى قد تخسر وقد تتراجع، وقد تدخل مراحل من الضعف وإعادة البناء، لكنها لا تصبح ميتة سياسيا لمجرد أنها خسرت الانتخابات، والحزب الذي يقرر العودة إلى المنافسة بعد تجربة قاسية، يعلن، قبل إعلان أي نتيجة انتخابية، أنه ما يزال يعتبر نفسه جزءا من الحياة السياسية.
بمعنى آخر، العدالة والتنمية يمكن أن يكون قد مرض، ويمكن أن يكون قد تراجع، لكنه يريد أن يثبت أنه لم يمت، وهذه هي إحدى الدلالات الأساسية لمشاركة الحزب في انتخابات 2026، فهي بالنسبة إليه محاولة للخروج من ظل نتائج 2021، ليس بالضرورة باستعادة ما كان لديه من مقاعد، وإنما بإثبات أن لديه القدرة على الاستمرار وإعادة بناء حضوره واستقطاب الناخبين من جديد.
كما يدخل الحزب هذه الانتخابات وهو يحمل معه حصيلة خمس سنوات من المعارضة الوطنية الجادة، حيث جعل من موقعه المؤسساتي عبر مجموعته النيابية منبرا لمساءلة الحكومة وانتقاد اختياراتها، وركز خطابه على ملفات القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، وتدبير المال العام، والريع، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما وجه انتقادات متواصلة إلى أداء حكومة عزيز أخنوش، معتبرا أنها لم تنجح، بالقدر الكافي، في الاستجابة لانتظارات فئات واسعة من المغاربة، خصوصا الفئات التي تحملت الجزء الأكبر من أعباء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا تحديدا تصبح انتخابات 2026 لحظة مواجهة سياسية حقيقية، بين الحكومة الأغلبية التي ساندتها، والمعارضة التي ظلت تنتقدها، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، وهذا هو المعنى السياسي الذي يفترض أن تستعيده الانتخابات، أي أن تكون مناسبة للمحاسبة، لا مجرد مناسبة للتنافس على المقاعد.
فربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يبقى شعارا دستوريا أو عبارة تتردد في الخطب، ومعناه السياسي الحقيقي أن من تحمل المسؤولية يقدم حسابه، ومن مارس المعارضة يقدم حسابه كذلك، وأن المواطن يمتلك في النهاية سلطة المكافأة والعقاب عبر صوته.
ومن هنا يمكن فهم إصرار العدالة والتنمية على المشاركة باعتبارها محاولة لإعطاء معنى لهذه العملية، فالحزب لا يريد أن يقول فقط “صوتوا لنا”، بل يريد، في جوهر خطابه، أن يقول “شاركوا واختاروا وحاسبوا، ولا تتركوا السياسة للآخرين”.
وهذه النقطة تتجاوز المصلحة الحزبية المباشرة، لأن المشكلة التي تواجه السياسة المغربية اليوم، ليست فقط من يفوز ومن يخسر، وإنما كيف يمكن إعادة المواطن إلى صناديق الاقتراع، وإعادة الاعتبار لفكرة أن المشاركة السياسية يمكن أن يكون لها أثر في اتجاه السياسات العمومية وفي اختيار من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
وإذا كان جزء من المواطنين قد فقد الثقة في السياسة والأحزاب والانتخابات، فإن مواجهة هذا العزوف لا يمكن أن تكون فقط بتغيير الشعارات، وإنما بإقناع المواطن بأن صوته له معنى، وأن الانتخابات ليست مجرد موعد دوري ينتهي بمجرد إعلان النتائج.
ومن هذه الزاوية، فإن مشاركة العدالة والتنمية تحمل رهانا يتجاوز عدد المقاعد التي سيحصل عليها، إنها محاولة للمساهمة في ترميم الثقة في المشاركة السياسية، وفي إعادة الاعتبار للانتخابات باعتبارها إحدى أهم آليات التعبير عن الإرادة الشعبية والمساءلة السياسية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.