عبد اللطيف الحاميل
هل تكفي البرامج الحزبية والوعود الانتخابية اليوم للتمييز بين المتنافسين حول المقاعد البرلمانية واتخاذ قرار التصويت على هذا الحزب أو ذاك؟ قطعا لا، خصوصا في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح بالإمكان إعداد أحسن البرامج الانتخابية قبل أن يرتد للمرء طرفه.
فما هو المحدد إذا في زمن التيه السياسي الذي نعيشه، حيث اختفى النقاش السياسي المتزن وغابت المرجعيات الإيديولوجية وحضرت الوعود الكاذبة والاتهامات المتبادلة والمزايدات الرخيصة؟ فمن يستمع اليوم لقيادات حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، يخيل إليه أنه إزاء أحزاب ظلت تمارس المعارضة خلال الخمس سنوات الأخيرة وليس قيادة الحكومة وتسيير الجماعات الترابية.
لقد وصل الأمر بين هذين الحزبين الذين خرجا من رحم واحدة حد “القذف السياسي” فيما بينها. ولا أظن شخصيا أنه من اللائق أن يجتمعا، على الأقل في المستقبل المنظور، في حكومة واحدة، فأي رسالة سياسية سيبعثها هؤلاء بعد هذا الكم من الاتهامات المتبادلة بالاتجار في المخدرات والفساد وتضارب المصالح والريع والترهيب، وهي كلها اتهامات جنائية تقتضي فتح تحقيق قضائي وترتيب الآثار القانوية.
لكن وللأمانة، لا يمكن تحميل الأحرار وحدهم مسؤولية هذه الحصيلة الهزيلة، إن على المستوى الحكومي أو الترابي. فالأحزاب الثلاثة مشاركة في هذه “الحصلة الحكومية” التي يتقاذفونها اليوم بينهم ويرفضون الاعتراف بها كأنها مولود غير شرعي. بل إن “قلة الحياء السياسي” وصلت بالبعض أمام هذا الشح في المنجزات إلى البحث عن قشة للبقاء في منجزات الدولة والحكومات السابقة وكأن المغاربة بلا ذاكرة.
لقد توفرت للأحزاب الثلاثة فرصة غير مسبوقة لتنزيل البرامج والوعود الانتخابية. لأنه لم يسبق أن تمت “الهيمنة” على الحكومة والمجالس الترابية من طرف ثلاثة أحزاب فقط. وهنا، لابد من التذكير بالمبرر الذي استند إليه عرابو القاسم الانتخابي الجديد آنذاك، وهو حماية الأحزاب الصغيرة. لكن بعد إعلان نتائج انتخابات 2021 لم تجد هذه الأحزاب الصغيرة أي موطئ قدم داخل المجالس المنتخبة، بل تمت محاصرتها والتضييق عليها وتهميشها من طرف التحالف الثلاثي.
ومن الغرائب أن تتزامن نهاية ولاية حكومة عزيز أخنوش مع حدث ساخر لكنه ذو دلالة، وهو إطلاق آلاف المغاربة “ترند” العودة إلى الثمانينات وكأنه لم يعد هناك ما يغريهم في مغرب اليوم.. مغرب السرعتين. فالخوف كل الخوف أن تتحول هذه “الموجة الافتراضية” إلى هروب جماعي من الواقع بسبب فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها.
ولذلك، لا بد من قراءة هذه الرغبة الجماعية في الهروب، إما نحو الماضي أو نحو الضفة الأخرى، في سياق ما عشناه في عهد هذه الحكومة من احتباس سياسي ومؤسساتي، وتقديم أجوبة حقيقية عن الإشكالات التي تواجه المغاربة اليوم. وهي في اعتقادي أجوبة سياسية بالدرجة الأولى.
