في الميزات التنافسية للعدالة والتنمية… لماذا يصوّت المغاربة لـ “المصباح”؟

حسن حمورو


ثمة قاعدة في مجال التجارة يمكن إسقاطها على الانتخابات، تقول بأنه لا يكفي أن تكون موجودا في السوق بأي منتوج، حتى تكون قادرا على المنافسة وتحقيق الربح، ووِفق هذه القاعدة هناك ما يسمى بـ”الميزة التنافسية”، أي العنصر أو مجموعة العناصر التي تجعل تاجرا ما أو شركة ما، أكثر قدرة على المنافسة من غيرهما.
وفي الانتخابات قد تكون هذه الميزة التنافسية تاريخا سياسيا، أو وضوحا في المرجعية، أو قوة المؤسسات الحزبية، أو تجربة في التدبير، أو صورة معينة تشكلت عبر التراكم لدى الناخبين.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى حزب العدالة والتنمية باعتباره حزبا راكم، خلال عقود من العمل السياسي، مجموعة من العناصر التي تشكل رأسماله التنافسي في مواجهة الأحزاب الأخرى.
أولى هذه الميزات أن العدالة والتنمية ليس حزبا انتخابيا، بل نِتاج مسار سياسي وفكري طويل، تداخلت فيه تقاليد الحركة الوطنية مع دينامية الحركة الإسلامية بصيغتها المغربية، وهذه الخصوصية تمنحه هوية واضحة، تجمع بين المرجعية الوطنية والإسلامية، في وقت تختار فيه أحزاب أخرى مرجعيات ومسارات مختلفة، وهذا ما يجعل الناخب يعرف، إلى حد كبير، من أين ينطلق الحزب في نظرته إلى المجتمع والدولة والسياسة.
ومن هذه الهوية ينبع موقفه من الملكية، فحزب العدالة والتنمية لم يتعامل معها كموقف سياسي ظرفي، بل جعل العمل داخل سقف الثوابت الدستورية للمملكة، وعلى رأسها الملكية، جزءا من عقيدته السياسية، وصحيح أن احترام الملكية والثوابت الدستورية موقف تتقاسمه الأحزاب المغربية جميعها، لكن خصوصية العدالة والتنمية تكمن في كونه حزبا ذا مرجعية إسلامية جعل من هذا الاختيار جزءا مستقرا من هويته السياسية، واختار الإصلاح من داخل المؤسسات لا من خارجها.
ومن الميزات التنافسية التي يتمتع بها الحزب كونه حزب مؤسسات، رغم أن تجربته الداخلية ليست مثالية ولا تخلو من الخلافات، لكنه راكم تجربة في عقد المؤتمرات وانتخاب القيادات وتداول المسؤوليات، وحسم التنافس داخل الأطر التنظيمية، وهذه نقطة تميزه عن تجارب حزبية ارتبطت، في مراحل مختلفة، بشخصيات أو نخب ذوي نفوذ أصبح الحزب مرتبطا بها أكثر من ارتباطه بمؤسساته، ومعلوم أن الأحزاب تبصم على مكانتها في المشهد السياسي، بقدرتها على الاستمرار وتغيير قياداتها دون أن تفقد تماسكها.
ثم إن العدالة والتنمية حزب جُرّب في المعارضة كما جُرّب في التدبير، عاش سنوات في المعارضة، ثم تولى رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين، وشارك في تدبير الشأن العام والبرلمان والجماعات الترابية، وقد يختلف المغاربة حول حصيلة تجربته الحكومية، لكن امتلاكه تجربة فعلية في الموقعين، يمنح الناخب إمكانية مقارنة الخطاب بالممارسة، وهو رصيد لا يتوفر بالدرجة نفسها لكل منافسيه، وهذه ميزة تنافسية أخرى.
ويضاف إلى ذلك، رصيد سياسي مرتبط بالنزاهة واحترام المال العام، وليس المقصود أن كل مسؤول في الحزب منزّه عن الخطأ، أو أن كل مسؤول في الأحزاب الأخرى فاسد، فهذا تعميم لا يستقيم، ولكن المقصود أن العدالة والتنمية، لم تصبح تهم الاختلاس أو الاتجار في الممنوعات أو الإثراء غير المشروع جزءا من هويته السياسية العامة، وظل يقدم نفسه باعتباره حزبا يريد ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي السياسة، للصورة المتراكمة حول النزاهة قيمة انتخابية لا يمكن تجاهلها.
ومن الميزات التي يمكن أن يضعها الحزب في مواجهة منافسيه، طريقة اختيار المرشحين، ذلك أن العدالة والتنمية لا يجعل التزكية الانتخابية سلعة، ولا يحوّل الموقع القيادي إلى طريق لترشيح الأبناء والأقارب، ومهما اختلفت التقييمات حول الأشخاص واللوائح، فإن غياب منطق التوريث العائلي من الثقافة التنظيمية للحزب، يشكل نقطة قوة في مشهد سياسي أصبحت فيه علاقة المال والقرابة بالنفوذ الانتخابي محل انتقاد واسع.
هذه العناصر لا تعني أن العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي يمتلك نقاط قوة، فهناك أحزاب لها تاريخ وطني عريق، وأخرى تمتلك خبرة حكومية وإدارية واسعة، وأخرى تتوفر على حضور انتخابي وتنظيمي قوي، لكن ما يمكن اعتباره ميزة تنافسية للعدالة والتنمية هو اجتماع عناصر مختلفة في حزب واحد، وأهمها مرجعية واضحة، وجذور وطنية، وموقف مستقر من الملكية، وتجربة في المعارضة والتدبير، ومؤسسات داخلية وتداول قيادي، واشتغال من داخل المؤسسات، ورصيد في اختيار المرشحين بعيدا عن منطق القرابة والمال، إلى جانب ميزة أخرى اكتسبها حديثا، وهي قدرته على العودة السريعة إلى صدارة المشهد السياسي، بعد هزيمة انتخابية قاسية سنة 2021، في وقت كان ينتظر الجميع أنه انتهى.
لكن توفر ميزات تنافسية لا تعني الفوز تلقائيا، فالانتخابات ليست مكافأة على التاريخ، وإنما اختيار للمستقبل، والناخب يريد أن يعرف ماذا سيقدم الحزب في الصحة والتعليم والشغل والأسعار والاستثمار والعدالة الاجتماعية، لا فقط ماذا كان عليه في الماضي، وهو ما سعى إليه الحزب من خلال طرحه برنامجا انتخابيا عكس فهما دقيقا للإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، واقترح لها حلولا في إطار الواقعية والمتاح أمام موارد الدولة وسقف مؤسساتها.
وهنا تصل الرسالة إلى الناخب مباشرة، ومفادها إذا كان يبحث عن حزب له مرجعية واضحة، وتاريخ سياسي، وتجربة في المعارضة والتدبير، ومؤسسات حقيقية، وقيادة قابلة للمحاسبة، ومرشح لا يحتاج إلى المال أو النسب العائلي حتى يصل إلى البرلمان، فهذه عناصر تستحق أن تدخل في قراره الانتخابي.
لهذا، فإن التصويت للعدالة والتنمية، بالنسبة لمن يرى في هذه الميزات قيمة سياسية، ليس تصويتا لحزب بلا أخطاء، ولا حصيلة قابلة للنقد، وإنما هو اختيار لحزب يملك مقومات تجعله أكثر قدرة على ممارسة السياسة كمؤسسات ومسؤولية وطنية.
وفي زمن تختلط فيه الشعارات وتتعدد الوجوه والرموز، يبقى الصوت الانتخابي أمانة، يقتضي أداؤها المقارنة بين الأحزاب، تاريخها ومرشحيها ومؤسساتها، ثم اختيار الجدير بالثقة، والمؤهل أكثر من غيره لكي يجعل من السياسة مسؤولية، ومن المسؤولية محاسبة، ومن الانتخابات فرصة للإصلاح، لا “همزة” لمراكمة الثروات من المال العام والريع.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.