الغماز: تراشق الحزبين الرئيسيين في التحالف الحكومي جعلنا نكشف عالما من الفساد مسكوت عنه

سعيد الغماز


في عز الحملة الانتخابية، كثُرت الأرقام وتعددت الوعود، واختلفت الآراء، وأصبح الناخب يتقلب يمينا ويسارا مثل السفينة التي تواجه عواصف هوجاء في قلب البحر. من طبيعة البشر، أن يشعر بنوع من الحيرة حين يجد سوقا واسعة تطرح أمامه خيارات كثيرة. وكلما كثُرت الخيارات، كلما زادت حيرة المواطن.
تراشق الحزبين الرئيسيين في التحالف الحكومي، جعلنا نكشف عالما من الفساد مسكوت عنه. وجعل الانتخابات كسفينة تواجه رياحا عاتية وفاسدة، تتمايل حسب قوة رياح الفساد. والخلاص يكمن في اختيار الحزب المعروف بالأيادي البيضاء، لأنه يفتح الأمل لمواجهة الفساد، وهو طريق الخلاص، لكي تكون بلادنا قادرة على التخلص من فساد أنهك العباد والبلاد.
إن ما نسمعه ونراه وما تناقلته منابر إعلامية عن بعض أحزاب التحالف الحكومي التي تعمد إلى تجميع الناس في الشاحنات والحافلات، وهم لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون ولا الغرض من حضورهم، حتى أصبحنا نسمع تسريبات تتحدث عن البشر وكأنهم قطيع من الغنم “شارجي الناس باش نعمرو القاعة باغين نحمرو وجه الرايس”. والرأي الوطني تابع تصريحات بعض الحاضرين لتجمعات حزبين من التحالف الحكومي. سمعنا تصريحات من قبيل احدى الحاضرات لمهرجان التراكتور وهي تقول “جيت باش نشوف أخنوش” وتصريح “جيت باش نشوق قجقع” وتصريح “ما عارفش آش واقع، إلى كان غير السمن والعسل مزيان” وتصريح بعض الشباب “قالوا لينا آجيوا تديرو السورف ولقينا راسنا هنا”…
هنا لا بدأن أقول بأن الفساد خطير على الوطن، ولكن الأخطر من ذلك هو ثقافة الريع والبلادة التي تنشرها بعض الأحزاب. علما أن الدستور يتحدث عن تأطير المواطنين من قبل الأحزاب. فالفساد يمكن القضاء عليه بإرادة سياسية وبالأحكام القضائية وفتح السجون للفاسدين، وقبل ذلك بالانتخاب على حزب الأيادي البيضاء.
أما ثقافة الريع و”التكلاخ” فمعالجتها تتطلب سنوات كثيرة ومجهودا مضاعفا. مثل هذه الأحزاب لا مصلحة لها في القضاء على الأمية، لأن سوق الأمية هو رصيدها في الانتخابات، ورصيد الأعيان الذين يجلبوا لها الأصوات بدل تأطير المواطنين كما هو منطوق الدستور.
هذا التراشق بين حزبين رئيسيين في التحالف الحكومي، عرّى واقعا بلغ من الفساد والسوء درجة لم نكن نظن أن بلدنا وصلت إليها. ومن هذا المنطلق نقول إن المشاركة في الانتخابات أصبحت أكثر إلحاحا من أي انتخابات سابقة. قد لا يعرف البعض كيف يختار الحزب الذي يستحق صوته. وقد يختار البعض العزوف عن الانتخابات والهروب من التصويت.
لهؤلاء أقول إن منطق الأشياء يبدأ من الأرضية التي نقف فوقها، وهي أرضية الساحة السياسية المغربية. والمنطق السليم هو أن يكون الاختيار من بين ما هو موجود في الساحة. فلا يوجد حزب مثالي ومتكامل، وتحمُّل المسؤولية الحكومية يفرض نوعا من التوازن بين طموحات الناخب وإكراهات الدولة. فحتى الأحزاب التي حصلت على الأغلية في البلدان الديمقراطية، وتحمَّلت رئاسة الحكومة، قد تضطر لاتخاذ قرارات فيخرج من صوتوا لها ليتظاهروا ضد تلك القرارات. وهذه هي طبيعة السياسة، وشيء طبيعي أن لا يتفق من أعطى صوته للحكومة على بعض قراراتها.
هذا ما وقع في بلادنا بعد دستور 2011. حزب تحمل المسؤولية لمدة 10 سنوات. الأكيد أن تكون هناك بعض القرارات التي لم ترق للكتلة الناخبة التي أعطت صوتها لحزب العدالة والتنمية. لكننا في هذه الفترة، فترة حكومة العدالة والتنمية، لم نسمع عن 70 مليار في صندوق سيارة مسؤول في الحزب الذي يترأس الحكومة، لم نسمع عن فساد بأرقام فلكية: ها 17 مليار ديال المحروقات، ها 13 المليار لي داوها الفراقشية، ها 280 مليار لي كان باغي ياخذها رئيس الحكومة، ها 380 مليار لي تم التبذير ديالها بدون نتيجة، وزي وزيد…
لم نسمع عن هذا الفساد العابر للقارات في عهد حكومة ما بعد دستور 2011، حكومة العدالة والتنمية. لكن في عهد حكومة أخنوش، أصبحنا نسمع العَجب العُجاب في كل ما يرتبط بالفساد وتضارب المصالح ويهدد مستقبل البلاد. فمن الخطأ أن نضع في كفة واحدة حكومة لم نسمع عن اعتقال ولو وزير أو برلماني منها، وحكومة أخنوش التي أصبحت معروفة بفريق برلماني معتقل في سجن عكاشة، وجلهم ينتمي لأحزاب التحالف الحكومي.
ستمر انتخابات 23 شتنبر، وما بعد هذه الانتخابات، إما أن نُحْسِن الاختيار، ونختار حزب الأيادي البيضاء من أجل المستقبل ومن أجل الأمل. وإما أن يستمر الفساد وطغيان “الفراقشية” وتحكُّم تضارب المصالح، ولا نعرف هل نرتطم مع الحائط أم نذهب لا قدر الله إلى المجهول.
في الخلاصة أقول إن المشاركة في الانتخابات واجب وطني، لحماية مستقبل أبنائنا من الفاسدين الذين تغوَّلوا، ومن الفراقشية الذين سيطروا، ومن تضارب المصالح الذي أدخل بلدنا في كتاب كينز للأرقام الخيالية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.