سعيد الغماز
مع اقتراب موعد اقتراع 23 شتنبر، أعلنت أغلب الأحزاب السياسية عن برامجها الانتخابية. وهي مناسبة لقياس مدى اهتمام هذه الأحزاب بالتحول الرقمي كخيار استراتيجي يتطلب أن يكون في صلب البرامج الانتخابية، ومركز الاهتمام الحزبي بشؤون التنمية، إلى جانب العمل على بناء أرضية تكنولوجية للذكاء الاصطناعي كتوجه نحو المستقبل.
الاهتمام بالتحول الرقمي هو اهتمام بالمستقبل، واستراتيجية أساسية لربح الزمن التنموي، ووضع المملكة الشريفة في طريق الالتحاق بركب الدول التي نجحت في تحولها الرقمي والتحقت بنادي الدول المتقدمة.
التحول الرقمي هو فرصة بالغة الأهمية، لتحقيق التنمية الشاملة ومعالجة الأعطاب التنموية والاقتصادية التي تعاني منها بلادنا. لقد تطورت الرقمنة حتى صارت جزءا لا يتجزأ من أي قطاع من القطاعات العمومية، وعضوا أساسيا في جميع المشاريع التنموية. فالرقمنة متواجدة في التعليم والصحة والشغل والحكامة وغيرها من القطاعات التي تتحدث عنها كل البرامج الانتخابية. بل أكثر من ذلك، يشكل التحول الرقمي الإطار الذي لا يمكن أن تتقدم القطاعات العمومية دون الاعتماد عليه، ودون اعتماد استراتيجية رقمية لبناء المستقبل ومعالجة الاختلالات.
جل البرامج الانتخابية تتحدث عن النهوض بالتعليم والصحة والشغل. قد تتعدد الحلول، وتتنوع الإجراءات، لكن لا مناص من الرقمنة كرافعة لأي إجراء يخص القطاعات العمومية والمشاريع التنموية. ويمكننا اعتبار التحول الرقمي، كمحرك لجميع الحلول والإجراءات، ودينامو تتمحور حوله كل تلك الإجراءات التي تتوخى النهوض بالقطاعات العمومية وإصلاح الاختلالات.
من هنا يأتي الاهتمام باقتراحات البرامج الانتخابية الخاصة بالتحول الرقمي، لمعرفة مدى وعي النخب الحزبية بالرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير المؤسسات الاجتماعية. الأمر الذي يتطلب اهتماما استثنائيا، لوضع بلدنا في مرتبة تليق به من بين الدول التي تقدمت كثيرا في تحولها الرقمي، وتفادي تأخرنا عن ركب الرقمنة الذي يسود العالم ويحتل مكانة تتسع يوما بعد يوم. فلا مستقبل ولا تنمية ولا تقدم دون الانخراط الشامل والقوي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
نظرة معمقة لبرامج الأحزاب السياسية، تقودنا إلى حقيقة أن حزب العدالة والتنمية قدم مشروعا متكاملا ودقيقا بخصوص التحول الرقمي في بلادنا. إنه الحزب الذي تفوق على باقي الأحزاب بعرض متقدم ومتطور لتحقيق الطفرة الرقمية التي تنشدها بلادنا. إنه الحزب الذي تفوق بخبرائه وكفاءاته التي تعرف جيدا الواقع المغربي، على الأحزاب التي تعتمد على مكاتب الدراسات، لتنتج برنامجا غير قابل للتطبيق، ومعتمد على العناوين دون عرض التفاصيل.
كيف ذلك؟
في الوقت الذي تحدثت فيه برامج الأحزاب السياسية الأخرى عن الرقمنة “كموضة تكنولوجية” وليس كمخطط استراتيجي لبناء المستقبل، وخصصت لها بضعة كلمات فقط، واختزلت مقترحاتها في هذا المجال، في عبارات فضفاضة من قبيل “تعميم رقمنة المساطر” “التوظيف الأمثل للذكاء الاصطناعي “دعم التحول الرقمي” “إطلاق مشروع بناء منظومة ذكاء اصطناعي… نجد برنامج حزب العدالة والتنمية تعامل مع التحول الرقمي كقطاع استراتيجي يحتل مكانة قصوى وأهمية كبرى في برنامجه.
كما وضع الرقمنة في مقدمة المقترحات التي تشكل أولوية في فلسفة بناء المستقبل ومعالجة الاختلالات. وهو نفس الاهتمام الذي نجده في البلدان المتقدمة التي نجحت في تحولها الرقمي ودخلت عالم الذكاء الاصطناعي من بابه الواسع.
خصص برنامج العدالة والتنمية، قرابة ثلاث صفحات لعرض مقترحاته حول التحول الرقمي، في الوقت الذي لم تطرق برامج الأحزاب الأخرى للرقمنة سوى في بضع جمل لا طائل منها. وعرض حزب المصباح مشرعه الرقمي في 14 إجراء دقيق ومحكم يعكس استراتيجية الحزب في المجال الرقمي.
والمهم من ذلك، هو إبداع الحزب في هذه الاستراتيجية الرقمية، وابتكاره لإجراءات جد متقدمة من شأنها أن تضع بلادنا في السكة الصحيحة لتجاوز المعيقات البنيوية التي أثرت سلبا على استراتيجية المغرب الرقمي 2030. من بين هذه الابتكارات إجراء يقضي بربط المؤسسة المشرفة على التحول الرقمي مباشرة بالسيد رئيس الحكومة. والهدف هو جعل هذه المؤسسة تتمتع بالقوة القانونية اللازمة لضمان التنزيل السليم للبرامج الرقمية وتعميم الرقمنة وفرض التحول الرقمي على المؤسسات العمومية.
إنه إجراء يعكس خبرة عميقة ودراسة معمقة في فهم أهمية التحول الرقمي في بناء المستقبل. نذكر كذلك إجراء اعتماد هوية رقمية وطنية، وهو إجراء محوري في أي استراتيجية رقمية تتوخى اختصار الزمن الرقمي وتقليص الهوة الرقمية مع باقي الدول التي قطعت أشواطا كبرى في تحولها الرقمي. أضف إلى ذلك إجراء ملف إداري موحد لتخفيف تكرار طلب نفس الوثائق من المرتفق من قبل الإدارة. ومبدأ الإدلاء بالمعطيات مرة واحدة، وهو مبدأ جد متقدم من شأنه الرفع من مستوى الأداء الإداري وجودة العمل المؤسساتي.
وتبرز التوتة فوق حلوى برنامج المصباح في إجراء اعتماد قانون إطار للتحول الرقمي، وهو الإجراء الذي سيحرر استراتيجية المغرب الرقمي 2030 من المثبطات التي تعرق لحد الآن انطلاق بلادنا نحو تحول رقمي سريع يتمتع بحكامة جيدة كما هو شأن الكثير من الدول المتقدمة.
عندما نضع في كفة نجاح دولة رواندا في جعل المستثمر ينشئ مقاولته في ظرف ساعة أي 60 دقيقة عبر منصة متخصصة، ونضع في كفة أخرى ما قاله وزير الشغل في عز الحملة الانتخابية بأن المستثمر في المغرب يعاني من عراقيل مرتبطة ببطء الإدارة وبالبيروقراطية، ندرك قيمة البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، ونقتنع بأن المستقبل بعد انتخابات 23 شتنبر هو مع ”المصباح” بكفاءاته وخبرائه وبرنامجه الدقيق والعميق.
