بحكاك يكتب: كيف تعيد فلسطين رسم الخريطة الحزبية والانتخابية في أمريكا -2-

حميد بحكاك


ب. انقسام داخل الحزب الجمهوري
يعتبر الحزب الجمهوري من أكثر الداعمين لإسرائيل لأسباب سياسية ودينية، فالصهيونية المسيحية أو الانجيلية ترى في وجود إسرائيل شرطا لظهور المسيح، وبالتالي وجب دعمها، كما ظهر هذا الدعم أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكيف كان المرشحان بايدن وترامب يزايدان على بعضهما البعض في دعم إسرائيل، والحزب الجمهوري لديه قاعدة قوية مؤيدة لإسرائيل، تتكون من المحافظين؛ المسيحيين الإنجيليين؛ كبار السن؛ المؤسسة الجمهورية. وبعد الحرب والإبادة الجماعية في غزة وفوز ترامب وظهور حركة ماكا MAGA وشعار America First، بدأ هذا التيار ينتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل، ليس تضامنا مع القضية الفلسطينية، وإنما من منطلق: “أمريكا أولاً، وليس إسرائيل أولاً” ومدى تكلفة الالتزام الأمريكي الخارجي، ولماذا تدفع الولايات المتحدة أموالاً وتمول حروباً خارجية؟ وعلى هذا الأساس تمكن ترامب في انتخابات 2024 من جذب جزء من هذا التصويت، خصوصاً في ميشيغان، من خلال تقديم نفسه مرشحاً يريد إنهاء الحروب، رغم أن سياساته السابقة تجاه المسلمين كانت تثير القلق بالنسبة للجالية العربية المسلمة، وأصبح ترامب ول مرشح جمهوري للرئاسة يفوز بمدينة Dearborn في انتخابات 2024 منذ جورج دبليو بوش عام 2000 وهذا تحول رمزي وسياسي كبير.
كما أن دعم ترامب لإسرائيل أثار استياء داخل القاعدة السياسية الواسعة التي يقودها ترام، والمعروفة بتيار “أميركا أولا” أو حركة “فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” (ماغاMakeAmerica Great AgainMAGA ) واتهمت ترامب بأن حول هذا الشعار إلى “إسرائيل أولا”MIGA، إذ حسب اعترافه أكد أنه أكثر الرؤساء الأميركيين خدمة لإسرائيل.
ثم جاء انتخاب عمدة نيويورك زهران ممداني وتصريحاته الغير المسبوقة فيما يخص غزة وفلسطين، وأصبح هناك حديث عن كلفة دعم أمريكا لإسرائيل يتم على حساب دافعي الضرائب الأمريكيين، وبالتالي أصبحت العلاقة بين أمريكا وإسرائيل موضوع مفتوح وأعيد طرحها على بساط البحث والنقاش والتقييم ( كما حدث داخل الحزب الديمقراطي)، وامتد الخلاف أيضا إلى مستوى القيادة الأمريكية والإسرائيلية على خلفية الحرب الأمريكية ضد إيران، وهجوم اللوبي الإسرائيلي على نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بسبب مذكرة التفاهم مع إيران والمفاوضات الجارية، وقال فانس موضحاً: “عندما أقرأ في تايم عن حملة تأثير ممولة لإفشال الاتفاق الذي كنت أعمل عليه، وأرى أن بعض المستفيدين من تلك الأموال يهاجمونني بأساليب ملتوية، يكون ردي بسيطاً: اذهبوا إلى الجحيم.. سأمضي فيما أراه واجباً تجاه الشعب الأميركي، أنا أمثل الأميركيين أولاً”، كما اتهم “بعض الأشخاص داخل المنظومة الإسرائيلية” بمحاولة التلاعب بالرأي العام الأميركي بهدف الإبقاء على الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى1.
ج. الانقسام داخل يهود أمريكا:
هذا الانقسام على مستوى قواعد الحزبين الجمهوري والديمقراطي سيمتد إلى اليهود الأمريكيين، بسبب الإحراج الأخلاقي الذي تمثله دولة إسرائيل في العالم وسياساتها العدوانية اتجاه الشعب الفلسطيني، وتصاعد اللاسامية في العالم بسبب الجرائم الاسرائيلية، وتزايد عزلة إسرائيل على الصعيد الدولي وامتدت هذه العزلة إلى من يساندها بالمال والسلاح، وشكلت الإبادة الجماعية في غزة نقطة انعطاف في موقف اليهود الأمريكيين ليس فقط في نقد السياسات الأمريكية وإنما أيضاً بالارتباط بإسرائيل، ففي استطلاع نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في أكتوبر 2025، كشف عن فجوة بين الأجيال في مواقفهم من إسرائيل، إذ يرتبط نحو 56 بالمئة من اليهود الأمريكيين عاطفياً بإسرائيل، وتنخفض هذه النسبة إلى 36 بالمئة بين الفئة العمرية الأصغر من ثمانية عشر إلى أربعة وثلاثين عاماً، وهي الفئة التي تبدو أكثر استعداداً لانتقاد إسرائيل والتشكيك في سياساتها من منطلقات أخلاقية،و تكرر الأمر مع التصعيد العسكري والحرب ضد إيران، وبرزت الأصوات ذاتها التي تدعو إلى تقييد الدعم غير المشروط لإسرائيل، وربط السياسات العسكرية باعتبارات أخلاقية وسياسية أوسع2 .
د. استطلاعات الرأي:
تحول موضوع علاقة إسرائيل بأمريكا إلى مادة دسمة لاستطلاعات الرأي، ففي استطلاع (Pew Research Center) لعام 2025، ظهرت الفجوة الحزبية بوضوح:
77% من الديمقراطيين لديهم نظرة سلبية للحكومة الإسرائيلية مقابل 41% من الجمهوريين.
فقط 18% من الديمقراطيين لديهم نظرة إيجابية للحكومة الإسرائيلية مقابل 55% من الجمهوريين
وفي سنة 2026 أظهر استطلاع Pew في أبريل 2026 أن النظرة السلبية لإسرائيل بين الجمهوريين الشباب أصبحت مرتفعة بشكل ملحوظ إذ أصبحت القاعدة الشبابية للحزب الجمهوري تعبر عن مواقف أكثر تشككاً في إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية، وكذلك على مستوى شبيبة الحزب الديمقراطي، مما يعكس التحول الجيلي أو الفجوة الجيلية في المجتمع الأمريكي، إذ اصبح التحول أكثر وضوحاً بين الشباب دون سن 30 عاماً، وخاصة المنتمين للحزب الديمقراطي؛ وعبر 72% من الديمقراطيين الشباب عن نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقابل 26% فقط تجاه الإسرائيليين، وعلى مستوى الحكومات أظهر الاستطلاع أيضاً أن غالبية الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية وحركة حماس على حد سواء، إلا أن التراجع الحاد في السنوات الأخيرة كان من نصيب الحكومة الإسرائيلية 3 .

الخلاصة:
لقد عرف الراي العام الأمريكي تحولا نوعيا بسبب الإبادة الجماعية في غزة وأسباب أخرى، هذا الرأي العام شكل ضغطا على الناخبين، وانتقل الإجماع الأمريكي حول دعم إسرائيل إلى انقسام حزبي داخلي وظهور تحالفات تعيد رسم الخريطة الحزبية في أمريكا، وأثر على السلوك الانتخابي للناخب الأمريكي، هذا السلوك الذي يدور حول التصويت للحزب الجمهوري كتصويت عقابي للحزب الديمقراطي، أو التصويت لمرشح ثالث، أو الامتناع عن التصويت، وبالتالي ساهمت في تفكيك الولاءات الحزبية التقليدية، وزيادة التصويت العقابي، والامتناع عن التصويت، وظهور مرشحين جدد داخل الأحزاب، ولم تعد العلاقة الأمريكية الإسرائيلية جزءا منفصلا من السياسة الداخلية الانتخابية، بل أصبحت محددا رئيسا قادراً على التأثير في تشكيل التحالفات الانتخابية، وإعادة ترتيب العلاقة بين الأجيال والأحزاب، وإعادة تعريف حدود الإجماع الأمريكي حول دعم إسرائيل، وانتقل من مستوى “الدعم الاستراتيجي لإسرائيل” إلى مناقشة شروط هذا الدعم، ومن إجماع إلى استقطاب، ومن قضية خارجية إلى قضية انتخابية.
وأصبحت فلسطين لا تعيد فقط رسم الخريطة الانتخابية الأمريكية داخليا؛ بل تساهم في إعادة تعريف معنى أن تكون ديمقراطياً أو جمهورياً في الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.

المصادر:
1. علي حسن: “اذهبوا إلى الجحيم”.. فانس يهاجم جهات إسرائيلية ويتهمها باستهداف مذكرة التفاهم مع إيران، يورونيوز https://tinyurl.com/274ftwxk
2. محمد جمال عرفة : انقسام متصاعد.. نهاية الإجماع اليهودي حول إسرائيل، مجلة الفراتس https://tinyurl.com/232jmyhb
3. Americans’ views of Israelis have grown increasingly negative, but views of Palestinians have held fairly steady
https://tinyurl.com/263mfqx3

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.