سعادة بوسيف
لم تكن تصريحات آمنة بوعياش، عقب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، مجرد عرض تقني لخلاصات ملاحظة انتخابية. فقد اختارت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تسلط الضوء، ضمن ما رصده المجلس، على توظيف الدين والرموز الدينية خلال الحملة، مشيرة إلى 44 حالة مرتبطة بهذا النوع من الممارسات، وإلى حالات لأنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة.
وهنا يحق لنا أن نسأل، من موقع النقد السياسي والفكري لا من موقع الخصومة الشخصية: هل كان استحضار هذه القضية في هذا التوقيت مجرد توصيف حقوقي لظاهرة انتخابية، أم أنه تحول إلى فرصة لاستحضار خصم سياسي بعينه واستثمار النجاح الباهر للمصباح الذي أربك اجندات الخصوم؟
ففي إحدى محطات التواصل مع المواطنين، صادف أن كان المسار في اتجاه أيت بوكماز يوم الجمعة. وكان من الممكن، بكل بساطة، أن تتحول صلاة الجمعة إلى لحظة تجمع وتواصل سياسي: حزب له أنصاره، وزعيم سياسي يحظى بحضور جماهيري، ومسجد يجتمع فيه المواطنون من دواوير ومناطق مختلفة.
لكن الذي وقع، بحسب ما عايناه، كان مختلفًا.
اختار ابن كيران ألا يجعل المسجد محطة في برنامجه التواصلي، وأخذ برخصة السفر، ثم أدى صلاة الظهر جمعًا وقصرًا بعد الوصول إلى أيت بوكماز.
قد يختلف المرء مع ابن كيران في السياسة، وقد يختلف جذريًا مع العدالة والتنمية في البرامج والمواقف، لكن الواقعة تظل ذات دلالة: كان بإمكان السياسة أن تستثمر المكان الديني، لكنها لم تفعل.
وهنا بالضبط يصبح من المشروع مساءلة الخطاب الحقوقي الحالي: لماذا يجري تقديم مسألة توظيف الدين في الانتخابات وكأنها اكتشاف جديد أو معيار يُستدعى كلما تعلق الأمر بخصم سياسي، بينما المطلوب في الأصل هو تطبيق المعيار نفسه على الجميع؟
إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان أعلن أنه رصد 44 حالة لتوظيف الدين والرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية، كما تحدث عن ست حالات لأنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة.
وهذه معطيات جديرة بالنقاش والتحقيق والتوثيق، لا بالمزايدة السياسية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقرير الحقوقي من أداة لتثبيت الوقائع ومساءلة المخالفين إلى مادة في سجال سياسي قديم.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى من يذكرهم بأن المسجد ليس منصة انتخابية. ولا يحتاجون إلى محاضرة في خطورة خلط الدين بالسياسة. ما يحتاجونه هو مؤسسات حقوقية تلاحق كل الخروقات بالصرامة نفسها، أيا كان مرتكبها، وتضع أمام الرأي العام الوقائع كاملة، لا الجزء الذي يخدم زاوية معينة من النقاش.
وهنا تبرز أسئلة أخرى لا ينبغي أن تختفي خلف وهج الحديث عن “توظيف الدين”.
فالمجلس قال إن ملاحظيه لم يرصدوا انحيازًا من السلطات الإدارية لفائدة حزب أو لائحة معينة، كما وصف الاقتراع بأنه مر في أجواء شبه عادية، وأشار إلى أن المخالفات التي رُصدت وحُللت لم تتجاوز 3 في المائة.
لكن المواطن من حقه أن يسأل: ماذا عن كل الوقائع التي أثارت الجدل أثناء الحملة؟ ماذا عن الادعاءات المتعلقة بالموارد والوسائل العمومية؟ ماذا عن المال الانتخابي؟ ماذا عن الاحتكاكات والخروقات التي رصدها المجلس نفسه؟ وماذا عن قضايا الشباب، بما فيها ما ارتبط بأحداث سبتة؟
فهل كانت استجابة المؤسسة وإبرازها لهذه الملفات متناسبة، في نظر الرأي العام، مع حجم الأسئلة التي طرحتها تلك الوقائع؟
أما محاولة استحضار “المصباح” في كل مرة للحديث عن الدين، فهي تحتاج بدورها إلى قدر من الحذر.
فالعدالة والتنمية حزب سياسي، و”المصباح” رمز انتخابي، لم يعتبر قط مناضلوه الدفاع عنه دفاع عن الدين بل دفاع عن سياسات عمومية لكي يحكمها الدستور ومرجعيته.
ليس من حق أي جهة أن تجعل انتقاد توظيف الدين في الانتخابات وسيلةً مباشرة أو غير مباشرة لضرب حزب بعينه دون تقديم الوقائع والأسماء والأماكن والتواريخ التي تسمح بالمحاسبة الموضوعية.
أما أن يصبح الحديث عن الدين مناسبة لإعادة استحضار الخصم السياسي الأكثر إثارة للانتباه، فذلك يفتح سؤالًا آخر حول حدود العمل الحقوقي وحدود الخطاب السياسي.
ولعل المفارقة أن “المصباح” نفسه، بما يحمله من حمولة رمزية وسياسية، يبدو اليوم قادرًا على منح بعض الخطابات وهجًا لا تستطيع أن تحصل عليه من قضايا أخرى.
فإذا كان المجلس يريد أن يحمي الانتخابات من توظيف الدين، فليحمِها كذلك من توظيف الخصومة السياسية في الخطاب الحقوقي.
وإذا كان يريد أن يرسخ الثقة في المؤسسات، فليضع أمام المغاربة جميع الوقائع التي رصدها، لا أن يترك لهم مهمة تركيب الصورة من التصريحات المتفرقة.
وإذا كان يريد أن يواجه توظيف المسجد انتخابيًا، فليتذكر أن هناك نموذجًا آخر ممكنًا: سياسي يستطيع أن يمر بالقرب من المسجد في يوم الجمعة، وأن يلتقي الناس في السياسة، لكنه لا يحول بيت الله إلى محطة انتخابية.
هذه ليست شهادة لتبرئة ابن كيران، ولا صكًا على بياض للعدالة والتنمية، ولا اتهامًا لآمنة بوعياش بأنها تتصرف بدافع شخصي. إنها ببساطة دعوة إلى توحيد المعيار، حتي لا يقال إن تصرف آمنة بوعياش شخصي وإيديولوجي أكثر منه مؤسساتي كان يمكن أن يصنع الفرق في المشهد الحقوقي.
فالمسجد للجميع، والانتخابات للجميع، والقانون للجميع، والمؤسسات الحقوقية فوق الخصومات الحزبية.
وإذا كان “المصباح” قد أضاء بقوة في المشهد السياسي المغربي خلال انتخابات 2026، فإن المطلوب ليس أن تستعير منه المؤسسات وهجه لتستقطب الانتباه، وإنما أن يكون وهجها الخاص نابعًا من صرامة التقارير، ووضوح المعايير، ومساواة الجميع أمام الملاحظة والمساءلة.
فالحقوق لا تحتاج إلى خصم سياسي كي تكتسب معناها، كما أن المؤسسة الحقوقية لا تحتاج إلى مهاجمة “المصباح” كي تستقطب الرأي العام. قوتها الحقيقية في أن تقول الشيء نفسه عندما يكون المخالف قريبًا منها، وعندما يكون بعيدًا عنها.
