حسن حمورو
تنصرف الأنظار بعد الانتخابات في كل التجارب، إلى الرسائل السياسية التي بعث بها الناخبون عبر صناديق الاقتراع، وينشغل الفاعلون والمهتمون والمؤسسات، بتحليل أسباب الصعود والتراجع، ونسبة المشاركة، ومغزى التحولات التي تعبر عنها الإرادة الشعبية.
أما عندنا في المغرب، فيبدو أن بعض الجهات تفضّل القفز مباشرة إلى البحث عن تفسيرات بديلة للنتائج، وكأن الناخب المغربي يحتاج دائما إلى من يفسر اختياراته بعيدا عن السياسة نفسها.
هذا الانطباع يفرض نفسه بقوة عند قراءة الخلاصات الأولية التي قدمتها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش، حول انتخابات 23 شتنبر 2026، فبينما كان النقاش الوطني يتجه نحو فهم أسباب التحول الذي أفرزته صناديق الاقتراع، تصدر الحديث عن 44 حالة مرتبطة بما اعتبرته رئيسة المجلس توظيفا للدين في الحملة الانتخابية، إلى جانب آلاف المضامين الرقمية التي أدرجت ضمن هذا التصنيف.
ولا أحد يجادل في حق المجلس، بل في واجبه، في رصد كل ما يراه مخالفا للقانون أو مؤثرا على سلامة العملية الانتخابية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، يتعلق بالتوقيت والمنهجية، إذ كيف تمكن هذا المجلس، في ظرف 24 ساعة، من الانتقال بهذه السرعة، من مرحلة الرصد، إلى مرحلة بناء استنتاجات ذات أثر سياسي وإعلامي واسع، في وقت ما تزال فيه الوقائع نفسها تحتاج إلى تدقيق قانوني وتحديد للمسؤوليات والجهات المعنية؟
والمثير للانتباه، أن رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان، أكدت في لقاء صحافي نظمته يوم 24 شتنبر 2026، أن الانتخابات جرت إجمالا في أجواء عادية، وأن الاختلالات المسجلة ظلت محدودة، ولم تصل إلى حد المساس العام بسير الاقتراع، ومع ذلك، بدا وكأن الرسالة التي جرى التركيز عليها إعلاميا، ليست سلامة العملية الانتخابية، بل التشكيك الضمني في البيئة التي أنتجت نتائجها.
هنا يبرز سؤال سياسي مشروع، ويتعلق بأسباب استدعاء هذه الخلاصات بالذات، في اللحظة التي كان الرأي العام منشغلا فيها بقراءة دلالات عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد السياسي والانتخابي، ولماذا حاولت رئيسة المجلس نقل النقاش من سؤال، لماذا صوت المغاربة بهذه الطريقة، إلى سؤال آخر مفاده، هل كان الناخبون تحت تأثير الدين أو الخطاب العاطفي أو المحتوى الرقمي؟
إنه من المثير فعلا، أن تنتقل مؤسسة من حجم المجلس الوطني لحقوق الانسان، من مراقبة نزاهة الانتخابات، إلى التشكيك في وعي الناخبين، فالناخب المغربي الذي عاقب أحزابا، وأسقط أخرى في محطات سابقة، هو نفسه الذي منح ثقته اليوم لجهات سياسية جديدة، أو أعاد الثقة لجهات كان قد عاقبها بالأمس، ومن الصعب القبول بفكرة أن هذا الناخب يكون واعيا وناضجا حين يصوت في اتجاه معين، ثم يصبح ضحية للتأثير والتوجيه عندما ينتج اختيارات لا تعجب بعض مراكز النفوذ، وبعض النخب السياسية أو الإعلامية.
طبعا لا داعي للتذكير، بأن الخلط بين استحضار المرجعية الإسلامية للمجتمع المغربي، وبين توظيف الدين في الانتخابات، يظل خلطا يحتاج إلى كثير من التدقيق، فالمغرب دولة ينص دستورها على أن الإسلام دينها الرسمي، والمجال العمومي المغربي مشبع بطبيعته بقيم دينية وثقافية وحضارية حاضرة في خطاب مختلف الفاعلين، بمن فيهم من يرفعون شعارات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، أما التوظيف الممنوع قانونا فهو شيء آخر مختلف، وله معايير وضوابط ومساطر إثبات واضحة، لا يجوز أن تتحول إلى توصيفات سياسية أو إعلامية فضفاضة.
والواقع أن الرسالة الأساسية التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026، لا توجد في التقارير ولا في البلاغات، بل في صناديق الاقتراع نفسها، فقد اختار المواطنون التعبير عن مواقفهم بوسيلتهم الديمقراطية التي هي التصويت، وأي قراءة جادة للمشهد ينبغي أن تبدأ من هذا المعطى، لا أن تبحث عن الالتفاف عليه أو التقليل من دلالاته.
لذلك يبدو أن المطلوب اليوم، ليس تفسير انتصار هذا الحزب أو ذاك بعوامل خارج السياسة، بل الإنصات إلى ما قاله الناخبون فعلا، لأن الديمقراطية لا تصبح أكثر قوة عندما تُفسَّر نتائجها بعيدا عن إرادة المواطنين، وإنما عندما تُحترم تلك الإرادة، ثم تُناقش ويتم تحليلها داخل المجال السياسي الطبيعي.
أما ما عدا ذلك، فقد يبدو أقرب إلى محاولة متأخرة لاستدراك أثر سياسي أحدثته صناديق الاقتراع، أكثر منه سعيا موضوعيا إلى فهم ما جرى داخلها.
بقيت إشارة وحيدة، لعلها تلخص الرسالة التي حاولت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان، توجيهها، بحديثها عن 44 حالة توظيف للدين، وهي أن العدد نفسه (44) هو عدد الدوائر المحلية التي حصل فيها حزب العدالة والتنمية على مقاعد برلمانية… “واش فهمتوني ولا لا”؟
