الحسين زاهدي
لا تتحدد جودة التعليم الأولي فقط بما توفره الدولة من فضاءات وتجهيزات، وإنما تتوقف، بالقدر نفسه، على كفاءة المربية والمربي، وعلى جودة تكوينهما الأساس والمستمر، وعلى قدرتهما على تطوير ممارساتهما المهنية.
ولهذا فإن حكامة تكوين الموارد البشرية للتعليم الأولي ليست مسألة تقنية أو إجرائية فحسب، بل هي جزء من صميم السياسة العمومية التربوية، ومن مسؤولية الدولة عن جودة الخدمة المقدمة في مرحلة شديدة الحساسية من حياة الطفل.
لكن تاريخ تكوين هذه الموارد البشرية يطرح اليوم سؤالاً مؤسساتياً يستحق النقاش.
من المراكز الجهوية إلى منظومة جديدة للتكوين.
كان تكوين أساتذة التعليم الأولي والتعليم الابتدائي جزءاً من مسالك المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، قبل أن يُحذف التعليم الأولي من تسمية مسلك التأهيل ومن تسمية الشهادة سنة 2024، في الوقت الذي كانت فيه منظومة جديدة لتكوين مربيات ومربي التعليم الأولي قد بدأت تتشكل داخل المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي، منذ إحداث المركز المغربي للتكوين في مهن الطفولة الصغرى (CMFPE) سنة 2021، قبل أن يُسند إليه، ابتداءً من أكتوبر 2022، دور قيادة التكوين الأساس للمربيات والمربين.
وهنا تكمن نقطة تستحق التوقف. فالمرسوم رقم 2.11.672 الصادر في 23 دجنبر 2011 المتعلق بإحداث وتنظيم المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين كان ينص صراحة على “مسلك تأهيل أساتذة التعليم الأولي والتعليم الابتدائي”، وكانت الشهادة المسلمة هي “شهادة التأهيل التربوي للتعليم الأولي والتعليم الابتدائي”.
ثم جاء المرسوم رقم 2.24.397 الصادر في 26 يونيو 2024 بتغيير وتتميم المرسوم المذكور، فأصبح مسلك التأهيل في هذا المستوى خاصاً بـأساتذة التعليم الابتدائي، وأصبحت الشهادة “شهادة التأهيل التربوي للتعليم الابتدائي”. وتثبت المصادر القانونية الرسمية صدور هذا المرسوم في 26 يونيو 2024. (
وفي المقابل، كانت منظومة جديدة للتكوين قد بدأت تتبلور داخل المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي. فقد أُحدث سنة 2021 المركز المغربي للتكوين في مهن الطفولة الصغرى – CMFPE، في شكل شركة ذات مسؤولية محدودة بشريك وحيد، مملوكة بالكامل للمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي، وحدد غرضها في الاستشارة والتكوين في مختلف مهن الطفولة.
ثم تطور دور المركز في السنوات الموالية ليصبح فاعلاً أساسياً في هندسة وتنفيذ تكوين المربيات والمربين.
إذن، نحن أمام تحول مؤسساتي واضح في هندسة التكوين: فبعد أن كان التعليم الأولي حاضراً صراحة في مسالك التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، أصبحت هناك منظومة أخرى متخصصة في تكوين مربي التعليم الأولي تقودها مؤسسة أخرى، من خلال مركزها المتخصص.
ولا يعني هذا، من الناحية القانونية، أن مرسوماً ما نص صراحة على «نقل» الاختصاص من المراكز الجهوية إلى الشركة؛ فهذه العلاقة السببية تحتاج إلى نص صريح. لكن تزامن التحولين وتتابعهما الزمني يستحقان أن يكونا موضوعاً للتحليل في إطار السياسة العمومية التربوية.
لماذا هذا التحول؟
من حق الباحث في السياسات التربوية العمومية أن يتساءل عن دواعي هذا الاختيار ومسوغاته، خصوصاً أن السياق العام كان مطبوعاً بتنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17 وتسريع تعميم التعليم الأولي.
هل كان إسناد التكوين إلى منظومة متخصصة اختياراً مرحلياً فرضته ضرورة التوسع السريع في العرض؟ أم أنه أصبح خياراً مؤسساتياً دائماً؟ وإذا كان انتقالياً، فما الأفق الزمني لهذه المرحلة الانتقالية؟
وهل كانت الحاجة تستدعي إنشاء منظومة مؤسساتية موازية، أم كان بالإمكان تطوير تخصص الطفولة المبكرة داخل المؤسسات العمومية القائمة والمتخصصة في تكوين مهنيي التربية والتكوين؟
لا شك أن تكوين مربي الطفولة المبكرة يحتاج إلى تخصص حقيقي. فالطفولة المبكرة لها خصوصياتها البيداغوجية والنمائية، والمربي يحتاج إلى تكوين في نمو الطفل، والتعلم باللعب، والنمو اللغوي والحركي، والتربية الدامجة، والملاحظة والتقويم، وغيرها من المجالات التي لا يمكن اختزالها في تكوين عام.
لكن التخصص البيداغوجي لا يعني بالضرورة الاستقلال المؤسساتي.
فالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين تتوفر على موارد بشرية متخصصة، وتجربة تراكمية في تكوين مهنيي التربية والتكوين، كما أثبتت قدرتها على استحداث مسالك جديدة استجابة لحاجات المنظومة، وتكوين أطر ومهنيين في مجالات متعددة.
والأهم أن التعليم الأولي نفسه لم يكن غريباً عن هذه المراكز؛ فقد كان تكوين أساتذته جزءاً صريحاً من مسالكها قبل تعديل المرسوم سنة 2024.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديداً: هل كانت الحاجة إلى تخصص حقيقي في الطفولة المبكرة تقتضي إنشاء منظومة مؤسساتية موازية، أم كان بالإمكان بناء هذا التخصص داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين؟
المسألة ليست مفاضلة بين مؤسستين، بل سؤال حكامة.
لا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين مؤسسة وأخرى، ولا بالتشكيك في العمل الذي أنجزه المركز المغربي للتكوين في مهن الطفولة الصغرى. بل على العكس؛ فقد رآكم المركز، خلال فترة وجيزة، خبرة مهمة في هندسة تكوين المربيات والمربين، وأصبح جزءاً أساسياً من منظومة التكوين التي تطورت خلال مرحلة تعميم التعليم الأولي.
كما أن المؤسسة المغربية نفسها أولت موضوع ظروف عمل المربيات والمربين اهتماماً خاصاً، ونظمت سنة 2024 يوماً دراسياً حول هذا الموضوع، بمشاركة ممثلين عن المركز المغربي للتكوين ومديرية الجودة ومديرية الموارد البشرية وغيرها من مكونات المؤسسة.
لكن نجاح مؤسسة في أداء وظيفة معينة لا يلغي سؤالاً آخر أكثر عمقاً: ما الموقع الذي ينبغي أن تشغله هذه الوظيفة داخل هندسة السياسة العمومية؟
فعندما يتعلق الأمر بوظيفة استراتيجية مثل تكوين الموارد البشرية، تبرز أسئلة الحكامة:
من يحدد المرجعية المهنية؟
من يضع معايير التكوين؟
من يضمن جودته؟
كيف يتم تقويم أثره؟
كيف تنتقل الخبرة المتراكمة إلى المنظومة العمومية؟
ومن يتحمل في النهاية المسؤولية عن استدامة المهنة وجودة أدائها؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر عندما نستحضر أن القانون الإطار 51.17 يتجه إلى الإدماج التدريجي للتعليم الأولي في التعليم الابتدائي، ليشكلا معاً سلك التعليم الابتدائي.
من مرحلة التعميم إلى مرحلة بناء المهنة
قد يكون إسناد التكوين إلى منظومة متخصصة وموازية مفهوماً في مرحلة التوسع السريع، عندما كان التحدي الأساس هو توفير الأطر وتكوين أعداد كبيرة من المربيات والمربين في وقت وجيز.
لكن المغرب يدخل اليوم مرحلة مختلفة. اذ لم يعد التحدي هو فقط توفير مربيات ومربين لتغطية الأقسام الجديدة، وإنما هو بناء مهنة تربوية مستدامة، لها تكوين أساس قوي، وتكوين مستمر، وتأطير ومواكبة، ومسار مهني واضح. وهنا لا يمكن فصل سؤال التكوين عن سؤال الاستقرار المهني.
فالتكوين المهني لا ينتج أثره الكامل لحظة الحصول عليه؛ وإنما تتراكم ثماره عبر سنوات الممارسة والمواكبة والاستمرار في المهنة. ولذلك، فإن الاستثمار في تكوين المربي يفقد جزءاً من مردوديته إذا لم يجد هذا التكوين شروطاً مهنية تسمح بتحويل الكفايات المكتسبة إلى خبرة مهنية متراكمة.
ومن ثم فإن بناء مهنة مربي التعليم الأولي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد برنامج للتكوين، بل باعتباره اختياراً في سياسة الموارد البشرية للمدرسة المغربية.
لقد كان التعليم الأولي، في مرحلة سابقة، جزءاً من مسالك التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. ثم ظهرت منظومة أخرى يقودها المركز المغربي للتكوين في مهن الطفولة الصغرى، المملوك بالكامل للمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي. وفي الوقت نفسه، ينص القانون الإطار على الإدماج التدريجي للتعليم الأولي في التعليم الابتدائي.
لذلك، يبدو لي أن السؤال الذي ينبغي أن يفتح اليوم أمام الفاعلين في السياسة التربوية ليس: هل المركز المغربي للتكوين مفيد؟ وهل المراكز الجهوية قادرة على التكوين؟
بل السؤال الأكثر جوهرية هو: هل ما زال منسجماً مع مسار السياسة العمومية التربوية أن تظل وظيفة استراتيجية مثل تكوين مربي التعليم الأولي خارج منظومة المؤسسات العمومية المتخصصة في تكوين مهنيي التربية والتكوين، في الوقت الذي يتجه فيه التعليم الأولي، بموجب القانون، نحو الاندماج في سلك التعليم الابتدائي؟
وهذا، في تقديري، هو جوهر القضية: ليس السؤال فقط: من يكوّن مربي التعليم الأولي؟ بل: من يتحمل، في النهاية، مسؤولية بناء هذه المهنة وضمان جودة تكوينها واستقرارها واستدامتها؟ وهو سؤال في حكامة السياسة العمومية للتعليم الأولي، وفي مستقبل المدرسة المغربية.
