أمين شطيبة
لا يبدو أن خروج الأستاذ عبد الإله ابن كيران عبر تقنية البث المباشر من منزله وهو يكشف أخر مستجدات السياسة بالمغرب وكذا تصريحاته بشأن فاطمة الزهراء المنصوري يحتاج إلى كل هذا الجدل، فقد عبر الرجل عن موقفه بوضوح من دون أن يحمل كلامه في تقديري أي إساءة أو انتقاص منها، وفي السياسة قد يكون الوضوح أحيانا أفضل من ترك الأمور مفتوحة أمام التأويل وابن كيران اختار سياسة الوضوح.
فاطمة الزهراء المنصوري، التي كلّفت بتشكيل الحكومة، باشرت مشاوراتها مع مختلف الفاعلين السياسيين ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن تتواصل مع عبد الإله ابن كيران سواء بصفته رئيس حكومة سابقا أو شخصية سياسية، أو بصفته أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية. لكن السؤال ليس في أصل اللقاء وإنما في دلالته السياسية.
إذا كان التواصل مع ابن كيران باعتباره رئيس حكومة سابقٍ، فإن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التأويل، فمنطق الأعراف السياسية يقتضي التواصل مع الشخصيات التي تولت مسؤوليات حكومية سابقة والاستفادة من تجاربها ووجهات نظرها، وهذا ليس بالضرورة مجاملة شخصية بقدر ما هو جزء من تقاليد الحياة السياسية السليمة.
أما إذا كان اللقاء يتم معه بصفته أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية وفي سياق مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية فالصورة تصبح أكثر وضوحا أن الحزب حسم عبر مؤسساته واختيار الاصطفاف في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن فهم موقف ابن كيران باعتباره محاولة لتوفير الوقت والجهد السياسيين، فهو لم يرفض التواصل ولم يغلق باب اللقاء ولكنه أوضح مسبقا أن التواصل لن يغير الموقف الذي اتخذه حزبه.
وهذا، في تقديري، ليس تنقيصا من المنصوري ولا إساءة إليها بل يضع المشاورات في إطارها الطبيعي وهي أن التواصل لا يعني بالضرورة تغيير المواقف واللقاء السياسي لا يعني بالضرورة الاستعداد للتحالف.
السياسة تحتاج إلى مثل هذا الوضوح لأن المجاملات حين تحل محل المواقف قد تجعل المشاورات أطول من دون أن تجعلها بالضرورة أكثر إنتاجية.
لكن بعيدا عن قصة اللقاء ربما كانت ديباجة لابد منها، هناك تصريح آخر لابن كيران يستحق قراءة سياسية أعمق وربما يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل العلاقة بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.
ففي حديثه عن “البام” لم يغلق ابن كيران الباب نهائياً أمام إمكانية التعامل معه مستقبلا بل ربط ذلك بما سماه “تنظيف الحزب وإصلاحه” وبصرف النظر عن حدة التعبير فإن دلالته السياسية تستحق التوقف.
فحين يقول زعيم سياسي إن التعاون مع خصم اليوم يمكن أن يصبح ممكنا غدا إذا تغيرت شروط معينة فهو لا يرسم بالضرورة جدارا أبديا بين الطرفين وإنما يضع شروطا سياسية للتقارب ويترك باب المستقبل مفتوحا.
وهنا تحديدا تبرز أهمية وصف ابن كيران لـ”البام” بأنه خصم سياسي وليس عدوا، ولهذا التمييز بين المفهومين ليس مجرد تفصيل لغوي الخصومة السياسية قابلة للتدبير والمراجعة وإعادة ترتيب التحالفات، أما تحويل الخصم إلى عدو فينقل العلاقة إلى مستوى آخر ويجعل الخلاف أكثر صعوبة على الإدارة والاحتواء، ولعل هذه النقطة هي الأكثر دلالة في المشهد الحالي.
العدالة والتنمية اختار المعارضة والمنصوري تواصل مشاوراتها لتشكيل الحكومة ولكل طرف موقعه وخياراته وحساباته وما دام الاختلاف يجري داخل قواعد التنافس السياسي فلا موجب لتحويل كل عبارة إلى أزمة أو كل لقاء إلى إشارة لتحالف أو كل تحفظ إلى إساءة شخصية لأن الأهم أن تتقدم السياسة على التأويلات الصغيرة.
