عبد العالي حامي الدين
لم يكن من المتوقع أن تتعامل المعارضة في بلادنا مع عرض السيد رئيس الحكومة أمام البرلمان حول الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، بذلك المستوى من الانحطاط الفكري والأخلاقي، ذلك أن وظيفة المعارضة الحقيقية هي مراقبة الحكومة ودفعها إلى تطوير أدائها السياسي، أو امتلاك القدرة على طرح بدائل لاختياراتها بطريقة موضوعية قابلة للتنفيذ.
إن قراءة سريعة في خطاب المعارضة تجعلنا نقف على الملاحظات التالية:
غياب أي مقترحات جدية
إن الفلسفة التي دفعت رئيس الحكومة إلى المبادرة إلى عرض الحصيلة الحكومية في منتصف الولاية التشريعية انسجاما مع أحكام الدستور، كانت تروم تقييم العمل الحكومي من طرف الفرق والمجموعات البرلمانية، وتوفير فرصة ديموقراطية للاستماع للانتقادات البناءة للمعارضة، لكن من المؤسف أنه في الوقت الذي كان من المنتظر أن تستمع الحكومة إلى مقترحات بناءة تتوج الملاحظات النقدية اللاذعة، لم نسمع منهم سوى بعض الاتهامات الرخيصة والمزايدات السياسية التي تدرك المعارضة قبل غيرها استحالة تطبيقها، ولو كان ذلك ممكنا، لأمكن ذلك عندما تقلدوا مسؤولية تدبير الشأن العام وترأسوا حكومتين سابقتين وشاركوا في حكومات سابقة.
كم كنا سنكون سعداء لو قدمت المعارضة رؤيتها لبعض الإصلاحات الضرورية عوض الاكتفاء بنقد مقاربة الحكومة، كم كنا سنكون سعداء لو قدمت رؤيتها لإصلاح أنظمة التقاعد التي أوشكت أن تصل إلى الباب المسدود، بعد تلكؤ الحكومات السابقة عن التدخل في الوقت المناسب، وكم كنا سنكون سعداء لو كشفت المعارضة عن وصفتها السحرية لإصلاح صندوق المقاصة وتوفير السيولة النقدية لخزينة الدولة، وكم كنا سنكون سعداء لو أطلعونا على عبقريتهم الخلاقة لإصلاح المكتب الوطني للكهرباء..
لقد اختارت هذه الحكومة الخيار الصعب، لتجنب المغرب السكتة القلبية الحقيقية، ولم تختر الاختيارات السهلة التي دأب عليها البعض حرصا على شعبية حزبية أو على مكانة انتخابية في الوقت الذي كانت العديد من المؤسسات تغرق في الأزمة، وتوشك أن تغرق معها البلاد لاقدر الله…
إقحام أنشطة الملك ضمن حصيلة الحكومة
الذين يعيبون على الحكومة خلطها بين حصيلة الملك وحصيلة الحكومة، لم يقرؤوا الوثيقة الدستورية بشكل جيد، ولم يستوعبوا روح التعاون الذي يؤطر العمل بين المؤسسات..
الذين يريدون أن يبنوا سورا صينيا بين الملك وبين الحكومة، لم يستوعبوا الثقافة السياسية الجديدة التي يؤسس لها الدستور الجديد والتي تحاول الحكومة ترسيخها اليوم لنخرج من ثقافة الصراع التي لم تجلب على المغرب سوى الكوارث إلى ثقافة التعاون بين المؤسسات المكرسة دستوريا..
لكن، ومع ذلك ، وتصحيحا لمغالطات المعارضة بهذا الخصوص فإن رئيس الحكومة لم يقم سوى بعرض المنجزات التي حققتها حكومة جلالة الملك بناء على مصادقة البرلمان على قوانين المالية لسنتي 2012 و2013، وفي نطاق ما يتيحه الدستور الجديد من اختصاصات للحكومة..
فعلى سبيل المثال، فقد حققت الدبلوماسية المغربية، وباعتبارها من القطاعات النشيطة والحيوية داخل الحكومة، مجموعة من الإنجازات، بتنسيق كامل مع باقي مؤسسات الدولة وباحترام شديد للتعليمات الملكية السامية.. فأين المشكل إذن؟
حول التقاعس في محاربة الفساد
لقد حاولت هذه الحكومة محاربة بعض مظاهر الفساد الصغير و ووجهت بحملات شرسة من بعض الأطراف وبعضها من الأحزاب السياسية للأسف الشديد، ولذلك فإن المعركة مع الفساد هي معركة سياسية قبل أن تكون معركة قضائية أو قانونية..
لنكن صرحاء، إن للفساد محامين يدافعون عنه ويوفرون له الغطاء السياسي والحماية اللازمة ويجندون له آليات الوساطة والزبونية، وكذا آليات التشويش الإعلامي وتحريف الحقائق…
لكن، مع ذلك، وبعيدا عن منطق المزايدات: ما هي الملفات التي طرحتها المعارضة على الحكومة وتقاعست في متابعتها؟
كم عدد لجان تقصي الحقائق التي حركها البرلمان حول ملفات الفساد؟
حول اتهامات الحكومة بالعلاقة مع داعش والموساد..!!
إن إثارة هذه الادعاءات الرخيصة هو من باب الدجل السياسي الذي تسرب إلى ساحتنا السياسية للأسف الشديد، في غفلة من النخب السياسية الجادة. وهو من باب اللغو الذين أمرنا شرعا بالإعراض عنه وعن الجاهلين الذين يروجونه، لكن المسؤولية التاريخية تقتضي التعليق على المنهج الذي أفرز مثل هذه الانحطاط الغير المسبوق في تاريخنا السياسي وغير المقبول من الناحية السياسية والأخلاقية، وغير الموجود في أي تجربة سياسية تحترم نفسها سواء داخل المغرب أو خارجه.
إن إثارة هذه الخزعبلات داخل قبة البرلمان يبعث على السخرية والحزن في نفس الوقت:
يثير السخرية لأنه مظهر من مظاهر البلطجة السياسية التي لامصداقية لها، ويعكس نموذجا من البهتان السياسي الذي لايمكن أن ينطلي على الأطفال فبالأحرى على طبقة سياسية محترمة أو على رأي عام مغربي يمتلك من الذكاء السياسي ما يميز به بين الكذب والحقيقة وبين الجدية والخيال..
ويثير الحزن والشفقة على المستوى الذي وصل له رئيس حزب سياسي عريق كنا، ولازلنا نكن له كامل الاحترام والتقدير، لكن لم نكن نتصور أن تصل درجة الإفلاس السياسي لدى أمينه العام، أن يعوض إحباطه السياسي باتهامات رخيصة لا يمكن أن تنطلي على أحد..
إن هذا الكلام غير المسؤول، لايسيء إلى حكومة يقودها عبد الإله بنكيران ولكنه يسيء إلى سمعة المغرب وإلى صورة نخبه في الداخل والخارج، ويسيء إلى تراث حزب سياسي كبير كان من قادته أمثال علال الفاسي وأبو بكر القادري وعبد الكريم غلاب وامحمد بوستة..
حول التعامل مع الصحافة
بالفعل، هناك مجموعة من الانتقادات لأداء بعض المؤسسات الإعلامية وبعض المواقع الإليكترونية، وهناك الكثير من الملاحظات على بعض الانزلاقات التي لاتتماشى مع أخلاقيات المهنة، لكن رئيس الحكومة لم يتورط في إغلاق أي صحيفة ولم يغلق أي مؤسسة إعلامية كما حصل إلى عهد قريب مع حكومة اليوسفي وحكومة عباس، فماهي مؤشرات التراجع إذن؟
إن هذه الحكومة ملتزمة باحترام الحق في التعبير لكنها ملتزمة أيضا بالتنبيه إلى الانزلاقات الموجودة…
وختاما
هذه بعض الملاحظات السريعة على خطاب المعارضة البئيس والذي برهن بما لايدع مجالا للشك أنه يصطف إلى جانب المحافظة على الوضع القائم وليس معنيا بتطوير الديموقراطية الفتية في بلادنا بقدر ما يعبر عن انشغاله العميق باحتلال المناصب والمواقع بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن هو ضرب مصداقية تنظيمات سياسية عريقة كانت في يوم من الأيام تؤمن باستراتيجية النضال الديموقراطي..

