هل تخشى المعارضة “الوفا”؟

كلمة الموقع

ما زالت فواجعنا مع المعارضة تثرى كالقدر المحتوم الذي لا يخطئ موعدا ولا يتنكب عن هدف، ورغم كل الكلام الطويل العريض الذي فجره الدستور الجديد حول المعارضة ومكانتها وحقوقها، ورغم أن السياق السياسي الذي يعيشه البلد كان في صالح الارتقاء بأداء المعارضة الى مرحلة النضج والرشد، لكنه يبدو أن حنينا جارفا، وشوقا حارقا ما زال يجر هذه المعارضة الى عاداتها القديمة المقيتة والبليدة، وأن هناك استهتارا بالزمن وصروفه إلى درجة مخيفة تجعلنا نتساءل بصدق هل كل ما جرى في هذا البلد من تحولات وما استشرفه من أفق، هل كان حقيقة أم مجرد أضغاث أحلام سرعان ما تنكسر على صخرة العادات المتأصلة وجموح العناد المتجذر في سلوك النخب السياسية والتي وصلت درجة المرض المزمن الذي لا يرجى شفاؤه ولا يرى لنهايته أثر.

آخر نوبات التيه التي أصيبت بها المعارضة، ما وقع اليوم بمجلس النواب، فبعد إقدامها على طلب عقد لقاء للجنة المالية لمناقشة التدابير التي أعدتها الحكومة لتطبيق القانون المتعلق بمجلس المنافسة، واستدعاء الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة والحكامة، تتفق مكوناتها على التغيب الجماعي عن حضور اللقاء الذي دعت له، في سابقة سوريالية عسيرة على الهضم والفهم معا، فبعد أن كان المسؤولون الحكوميون يتلكؤون في الاستجابة لطلبات المؤسسة التشريعية في تفعيل أدوارها الرقابية كما يخولها لها الدستور، فاجأ محمد الوفا المعارضة بالاستجابة السريعة لطلبها ووافق على الحضور في الموعد الذي قررته اللجنة،  لكن المعارضة في خطوة غير مفهومة تجمع على الغياب، مما يطرح أسئلة حقيقية عن الذي تخشاه المعارضة في مواجهة الوزير الوفا، خصوصا إذا علمنا أن الفريق الاستقلالي كان من الداعين لهذا اللقاء؟ ثم أليس هذا السلوك البائد دليلا لا يقبل المِراء بأن معارضتنا العليلة قد استقالت بكل طواعية عن مهامها الدستورية؟ ثم ما هي الصورة التي تريد إنتاجها من خلال هذا السلوك؟ أتريد هذه المعارضة أن تعمق الفجوة العميقة أصلا بين المواطن ومؤسساته التمثيلية؟ ألا تنتج المعارضة بوعي أو بدونه برعونة سلوكها صورة تسيء لها وللمؤسسة بكاملها وللعملية السياسية برمتها؟

لقد عودتنا المعارضة في نسختها الأخيرة على اختلاق المعارك الوهم وعلى احتراف السفاهة في الخطاب، وعلى الهروب من المسؤوليات، واقترفت في مسارها ذلك ما لا يخطر على بال، فبعد كل الجعجعات الدونكتشوطية، والحديث الطويل العريض عن الدستور وما رتبه لصالحها من حقوق غير مسبوقة، وبعد محاولات التعطيل لمؤسسة دستورية من حجم البرلمان لسبب وبدونه، وبعد تهربها من مواجهة رئيس الحكومة طبقا لمقتضيات المادة مائة من الدستور وإفراغ الجلسة الشهرية من مضمونها في مساءلة السياسة العامة للحكومة، ها هي اليوم تعيد رسم صورتها القزم أمام قامة الدستور وأمام الرأي العام وأمام صورتها في التاريخ. قد يتجاوز المواطن المغربي عن التغيب مهما كان مقداره، وإن كان لا يجد له معنى أو مبررا وهو الذي يؤدي ما يحصله البرلمانيون من تعويضات سخية ولكن مقابل أداء ما بذمتهم من مسؤوليات تنوء بحملها الرواسي والجبال، ولكنه لن يتجاوز قط عن التواطؤ السخيف على التغيب وهدر الزمن النيابي  وتبديد الإمكانات والأوقات في صناعة العدم، وإن غدا لناظره لقريب، وحصائد غدكم حتما ستكون مما زرعتم.  

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.