أمينة ماء العينين: تحرير القرار السياسي أولوية ديمقراطية

13.07.14

كل ما يتفاعل في المغرب اليوم  من أحداث، مع قدر المتابعة والتحليل والتأويل الذي يواكبها سياسيا وأكاديميا وإعلاميا وشعبيا، ينبئ ببداية حدوث تحولات هامة وواعدة في بنية الوعي السياسي الجمعي بالمغرب. غير أن المثير للاهتمام والتتبع هو هذا النزوع الجماعي إلى الجزم بوجود مصدر واحد للقرار السياسي، بحيث يسود الاعتقاد إن الحراك الشعبي وما أعقبه من خطوات، لم يتمكن من إحداث اختراق ملحوظ في دائرة القرار السياسي الذي طالما عجز الفاعل السياسي عن اتخاذ موضعه بداخلها. فمنذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها شباط هجومه على الحكومة، برزت آراء متعددة تكشف عن كون تحركاته لا تتم وفق قرارات سيادية لحزب الاستقلال، بقدر ما هي تنفيذ لسيناريو يعد داخل دائرة القرار الحصينة التي عجز الدستور الجديد عن إحداث فجوات بداخلها لفائدة الإرادة الشعبية، باعتبارها مصدر القرار الأول والأخير في الأعراف الديمقراطية الكونية.

لقد أصل دستور 2011 لمبدأ ثوري حينما جعل السيادة في يد الأمة، ولتمارس الأمة سيادتها عبر ممثليها، لا بد لها من امتلاك القرار السياسي الذي يجب أن تخرج سيرورة اتخاذه إلى العلن. حيث يبقى سؤال مدى التمكين الديمقراطي الذي نحققه في المغرب مرتبطا بسؤال كبير يتعلق بمدى تحريرنا للقرار السياسي من الدهاليز المظلمة التي لا تضيئها المبادئ الدستورية ولا القواعد الديمقراطية.

لا يزال الفاعل السياسي في المغرب يرتكن لانتظارية قاتلة ترهنه بمصادر، لا يدرك ماهيتها السياسية والدستورية، لكنه يخضع بكيفية لا شعورية لوصايتها الأبوية، بالنظر إلى نشأة الفاعل السياسي غير المستقلة عن نزعات التوجيه والتحكم التي مارستها الدولة المهيمنة في حق الأحزاب السياسية، ورغم التحولات الكبيرة التي أفرزت الدستور المعدل، إلا أن إرادة صامتة لا تزال قائمة لدى الفاعل السياسي، تكبل مبادرته وتكبح قراره وتحجم ذاتيا هامش القرار أمامه. قد نتفق جميعا على أننا ما زلنا نحتاج إلى نضال كبير لإرساء أسس نظام ديمقراطي حقيقي، غير أننا يجب أن نقر أن جزء كبيرا من هذا النضال يجب أن يوجه إلى بنيتنا الداخلية التي تفرز نخبا عاجزة عن ملء المساحات التي تفسح أمامها. ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، سرعان ما نكتشف أن هذه الهوامش لم تعد قائمة، حيث يعاد اكتساحها، فنعاود الركون لمنطق الاحتجاج النظري على نزعات النكوص والارتداد عن المكتسبات الديمقراطية.

ما الذي حدث لحكومة عبد الإله ابن كيران؟ من أفتى على شباط قرار الانسحاب مقرونا باللجوء للفصل 42؟ ثم من أقنعه بالاستسلام أخيرا، والاحتكام إلى الفصل 47؟ كلها أسئلة يفترض أن لا تتعدد الأجوبة عليها، لو تمكنا من تأطير حياتنا السياسية بمبدأ سيادية قرارات الهيئات والمؤسسات، بوصفه المبدأ المحدد للانتقال الديمقراطي الحقيقي.

لقد أربك إقحام الفصل 42 في الحياة السياسية مسار التحول، كما أربكته من قبل إيحاءات الفاعلين السياسيين من مختلف المواقع بزهدهم في استقلالية القرار وتفضيلهم للتبعية وكأنهم يحتمون من بعضهم البعض بأكثر مما تتيحه لهم قواعد التنافس السياسي.
إن السمة الأبرز التي ميزت الدولة المهيمنة هو استفرادها باتخاذ القرار، وحرصها الشديد على تضييق دائرة إنضاجه بمنأى عمن يحتجون بمشروعة التمثيل الديمقراطي التي يستقوون بها من خلال مبدأ التفويض الشعبي انطلاقا من صناديق الاقتراع. لأن جوهر الصراع بين قوى الهيمنة والاستبداد من جهة وقوى الديمقراطية والتغيير من جهة أخرى، ظل قائما حول النفوذ إلى مركز القرار.

من خلال ما يحدث في الداخل والمحيط، يبدو أن معركة القرار لا تزال طويلة، غير أن إرادة التغيير يجب أن تتحرر أولا داخل الأحزاب السياسية، لتمتلك القدرة على صياغة اختياراتها وفق مبادئها وثوابتها، وهو ما من شأنه أن يقلص هوامش الغموض والالتباس التي يصاغ داخلها القرار السياسي اعتمادا على آليات عتيقة، قوامها الضغط والتوجيه والاستلاب والتحكم. ويبقى أخطر ما في الأمر هو قدرة هذه الأساليب على التكيف مع مناخ ما بعد الدستور الجديد، تحت مسميات قرارات الهيئات الحزبية التي يدعى إلى عقدها هنا أو هناك، لتضفي المشروعية الديمقراطية على قرارات يعلم الجميع أن مصدرها لا يزال بعيدا عن نتائج مداولاتها.

إنها مسؤولية النخب السياسية المنادية بالتغيير، مسؤولية ممارسة النقد الذاتي بدل تصريف الاحتقان بإسناد مسؤوليته إلى قوى  لا ديمقراطية، هي موجودة بالتأكيد، غير أن استمرارية وجودها وقوتها تبقى رهينة بهشاشة الفاعل السياسي المحجم عن المبادرة وامتلاك جرأة اتخاذ القرار. وبذلك تظل معركة الديمقراطية هي أساسا  معركة  قرار.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.