حرزني: أنا مع إجراء عفا الله عما سلف

قراءة : (53)

13.07.20
اعتبر أحمد حرزني، الرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أنه آن الأوان محو مرحلة ما عاشته بلادنا من تسيب وفوضى في مجال تدبير المال العمومي. واقترح حرزني أن يكون القطع مع هذه المرحلة باللجوء إلى شعار "عفا الله عما سلف" الذي كان ابن كيران أعلن عنه منذ مدة قبل أن يلقى انتقادا من طرف البعض وحمله ما لم يحمله من المعاني والدلالات.  وأشار حرزني من خلال حوار أجرته معه يومية الأحداث المغربية في عدد الجمعة 19 يوليوز 2013، إلى أن القطع مع ماضي الفساد يتطلب أن يكون على أساس صفحة جديدة يكون عنوانها: القانون فوق كل مفسد ومفسدة، وفي ما يلي جزء من الحوار المذكور:

 مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة، ساد كثير من الكلام حول الفساد الذي جعل العبارة تتخذ دلالات وتأويلات عديدة. ترى ماذا نعني بالفساد؟
هذا سؤال يجب أن يوجه في المقام الأول إلى الذين دأبوا على استعمال عبارة الفساد دون تدقيق في جوانبه المختفية والظاهرة.
الفساد عبارة فضفاضة وستكون كذلك إذا لم نحدد بالضبط ماذا نعني بها، ومن هم أصحابها. أما بخصوص الذين يدعون، داخل التحالف الحكومي، قدرتهم القضاء على هذا الوباء، فلن يجنوا من ذلك سوى التورط في وعد لن يحققوه ويوفون به. الفساد، في معناه العام، شرط إنساني ووجوده رهين بوجود البشر أنفسهم.
وحتى أكون واقعيا مع ما نسميه ب"الفساد"، ورفعا لكل الانتظارات المبالغ فيها إزاء محاربته، وتجنبا لأي لبس حياله، يكون من الأليق أن نرفع شعار"تقليم أظافر الفساد" عوض "القضاء على الفساد". فإذا ما اخترنا أن نشبه الفساد بالأظافر، فإن عملية تقليمه بانتظام ستكون صائبة ومفيدة وضرورية كما نفعل مع أظافر أصابعنا.
أما الزعم بإمكانية القضاء الكلي على هذا الوباء، فذلك يدخل ضمن مجال الوهم، بل والكذب على النفس والناس.
الفساد ظاهرة بشرية من الصعب، بل ومن المستحيل، القضاء عليها نهائيا. وإذا أردنا أن نتناول معالجة هذا الملف من الناحية الفلسفية، سنرى أنه كان دائما مرادفا للتقدم. تبدو هذه المعادلة غريبة بعض الشيء بالنسبة للقراء، وقد يتساءلون: كيف يمكن للتقدم أن يتحقق في ظل الفساد؟
في نظري، التقدم لن يكون إلا إذا حصل تراكم في الامكانيات والثروات عند فئة من الناس، وفي أغلب المناسبات لا يكون ذلك التراكم بوسائل نقية مائة بالمائة. معنى هذا الكلام أن الفساد في التاريخ البشري يعتبر بمثابة السماد الذي تنبت فوقه أزهار النمو الاقتصادي.
صحيح أن هذه الخلاصة ستعرضني لكثير من النقد، ولكن أنتظر من يثبت لي من دعاة القضاء على الفساد، عكس ما جاء في كلامي. إذا عدنا إلى كارل ماركس، سنلحظ أنه أشار إلى هذه العلاقة من خلال تحليله لمفهوم "التراكم البدائي". فأي نمو اقتصادي يفترض، شئنا أم أبينا، تراكما بدائيا للثروة ويكون بطرق غير أخلاقية مثل النهب والسرقة وما شابههما.
أمام هذا الوضع، ونظرا لترسخ الفساد في بنية المجتمع المغربي، لا يبقى أمامنا سوى مخرج واحد ووحيد، ألا وهو القيام بتقليم أظافر الفساد بصفة دورية ومنتظمة، كلما أحسسنا أنه تجاوز حجمه الطبيعي وزاغ عن مكانه وأصبح يعرضنا لمخاطر جمة.
الملاحظة الثانية التي يثيرها الحديث المتواتر عن الفساد، وخاصة مع هذه الحكومة التي يقودها عبد الإله ابن كيران هي: الكلام المتكرر بمناسبة وبغير مناسبة والمبالغة في انتاج خطابات وشعارات تخلق في أذهان المواطنين والأجانب على حد سواء، أن البلاد غارقة في الفساد من رأسها حتى أخمص قدميها، ولم يعد هناك ما يمكن إنقاذه.
تعميم يجعل منا مواطنين فاسدين ومفسدين، ويفقد فينا عزيمة البحث عن سبل محاربة هذا الوباء المستشري في مجتمعنا، أي أننا تحولنا بفعل هذا الخطاب إلى كائنات عاجزة عن فعل أي شيء. والمفارقة العجيبة أن مصدر هذا الفكر التعجيزي والمشل للحركة، هو أولائك الذين يقولون بقدرتهم على محاربة الفساد. إنهم يدعون امتلاكهم وسائل مواجهة الفساد وهم في نفس الآن يخلقون شعورا بأنه ميؤوس من القضاء على الفساد.
خطاب وسلوك دنكيشوتيان لا ننتظر منهما أن يسفرا عن نتائج حقيقية وواقعية، اللهم الإساءة الى سمعتنا وإمكانياتنا في تغيير ما آلت إليه أوضاعنا، وضياع البوصلة التي تسمح لنا باختراق عالم الفساد والمفسدين.


 غالبا ما تم التعامل مع الفساد من الناحية الأخلاقية والردعية؟
-هناك قوانين جار بها العمل تنص على ضرورة معاقبة كل من ثبت أنه استعمل المال العام بشكل مخالف لها، ثم إننا بحاجة اليوم إلى قوانين أخرى ولوائح وقواعد لردع كل من يسيء إلى الثروة العمومية ولا يدبرها وفق ضوابط المسؤولية الملقاة على عاتقه.
لقد وصلنا الى مرحلة تستوجب الإعلان عن" العفو عما سلف" وفتح صفحة جديدة. هذه الخطوة ستكون مفيدة وضرورية للحفاظ على تماسك المجتمع. ففي كثير من المجتمعات البشرية، يصل الناس في وقت من الأوقات، في مواجهتهم للفساد، الى الاختيار بين واقعين اثنين: إما العفو عن المفسدين مع وضع شروط للمستقبل، أو الانتقام والعقاب والمخاطرة بتماسك المجتمع وتعريضه للخطر...
بعيدا عن العين الأخلاقية واليد الردعية، عاشت بلادنا مرحلة من التسيب والفوضى في مجال تدبير المال العمومي، وآن الأوان لمحو هذه المرحلة بواسطة "عفا الله عما سلف " وطي صفحتها، على أساس أن نبدأ صفحة جديدة يكون عنوانها: القانون فوق كل مفسد ومفسدة. إبان المرحلة التي نتحدث عنها، تم تراكم للثروات بطرق غير مشروعة وملوثة، وعاشت البلاد تحت فساد متعدد الأوجه ومختلف الوسائل، رافقه بعض التقدم والازدهار الاقتصادي ورفاه اجتماعي لدى فئة معينة، غلبت غريزة ورغبة تكديس الثروة على القوانين والقواعد. وانطلاقا من المقولة الماركسية، أقول بأنه يجب الاعلان فوريا عن نهاية " التراكم البدائي" للثروة، والدخول في عهد الاحترام الصارم للقانون.


كيف يمكننا التخلص من هؤلاء الأشخاص الذين نهبوا إمكانيات الوطن واسترجاع الثروات التي حصلوا عليها عن طريق "التراكم البدائي"؟.
أنا مع إجراء "عفا الله عما سلف" مع التزام الجميع باحترام القانون ومقتضياته.أما أن يظل الكثيرون في هذه الحكومة وغيرها يشنفون مسامعنا بخطابات القضاء الكلي والجدري على الفساد، فذلك يندرج ضمن مجال الخطاب الخرافي والأسطوري الذي يريد أن يطهر المجتمع من كل وباء.


هل لحكومة ابن كيران من الإمكانيات التي تسمح لها بتطبيق شعار عفا الله عما سلف أم الأمر لا يعدو كونه خطابا ديماغوجيا ليس إلا؟
إذا كانت هذه الحكومة تؤمن فعلا بذلك، فعليها أن تصرح به علانية وتدافع عنه وتقدم للرأي العام خطواتها وطرق تعاملها مع الفساد والمفسدين، وسيسجل ذلك في "دفتر حسناتها"، دون المضي في تجريم الجميع ومعاقبة الجميع، وأنها ستقتلع الفساد من جذوره.
حكومة ابن كيران لا تمتلك الوسائل التي تسمح لها بالقضاء على الرشوة المنتشرة بشكل كبير داخل مجتمعنا المغربي، على غرار المجتمعات الأخرى.
إن الظواهر الاجتماعية السلبية تتميز بقوة التغلغل والاستمرارية حتى أنه يصعب إيجاد قوة سياسية وقوانين ردعية تمنعها من الظهور، ولذلك حاولت في بداية هذه الحلقة اقتراح أسلوب "تقليم الأظافر" للحد من توالد هذه الظواهر الاجتماعية المنهكة للاقتصاد الوطني.
من حق، بل من واجب أي حكومة أو جهة مدنية الادعاء أنها تستطيع محاربة الرشوة، لكن ما ليس مقبولا البتة هو الإصرار على التصريح بقدرتها (الحكومة) القضاء على الوباء كليا.. خطاب غير صحيح وغير معقول وغير واقعي.