قربال يكتب : التنمية والاقتصاد التضامني

نورالدين قربال
إن هناك تراتبية بين المستويات التالية، السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية والبيئية. وكل دولة تريد أن تحقق التطورات المطردة، فمن الواجب عليها إحداث التناغم بين هذه المكونات.
إن هذا العمل يتطلب مجهود كبيرا، باعتباره معركة هادفة إلى بسط معالم تنمية مستدامة، عادلة ومنصفة، في مناخ مضطرب ومتقلب ومتغير.
ولن يتم هذا العمل إلا بوضع أهداف واضحة، نلمس من خلال الممارسة التطور والتقدم. آخذين بعين الاعتبار العنصر البشري الذي يشكل النواة الأساسية لكل تغيير.
وأثناء البناء هناك ضرورة لوقفات تقويمية، من أجل التأكد من التقدم الحاصل في الميادين المذكورة، مستحضرين المنهج المقارن، ودراسة النسب. لأن هذا مسلسل طويل يشارك فيه كل مكونات الدولة والمجتمع, وضبط التعامل مع المحيط العالمي، في إطار العولمة السائدة اليوم.

وهذا الاختيار متوقف على المراقبة المستمرة، من أجل الوصول إلى نتائج ملموسة. مستثمرين كل الكفاءات التي تزخر بها الدولة والمجتمع، مركزين على الأولويات الواضحة، والمسؤوليات الملقاة على كل الفاعلين.
وتجنبا للمشاريع الحالمة، فلا بد من إحداث التوازن بين المخططات الجاهزة، والميزانية الملائمة لذلك. حتى لاتتعثر البرامج. ولن تتم هذه العملية إلا بتغيير العقليات، وتأهيلها، والقيام بعملية تحسيس واسعة.

إن هذا المسلسل متعب، ويتطلب مجهودا كبيرا، لأنه محتاج لتقديم تعديلات في الوقت المناسب، نظرا للتقلبات الطارئة على جميع المستويات. وهذا تحد كبير، يحتم  التركيز على خبراء ومتخصصين في الميادين المذكورة، احتراما للمهنية والحكامة . خاصة في مجال الطاقة التي أصبحت تشكل عبءا حقيقيا على الحياة العامة للدول والمجتمعات.
إن التنمية المستدامة تتطلب العمل الجاد، خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وذلك من خلال وضع أهداف دقيقة، ومنطقية، وسهلة التطبيق، ومنخرط فيها كل الفاعلين، وفاتحة أبواب الأمل القاهر للألم.
بعد هذه الدردشة حول التنمية سنعرج في الأسطر الباقية على ما اصطلح عليه بالاقتصاد التضامني والتشاركي.

إن بناء اقتصاد تشاركي، وتضامني يحتم علينا تهيءا نفسيا وفكريا. لأن أساسه التعاون، والتضامن، والشعور بالمسؤولية الإنسانية، والاجتماعية. والمغرب مؤهل لهذه المهمة، نظرا لثقافته وحضارته المبنية على أسس التضامن.
وهذا النموذج الاقتصادي المتضامن يتطلب بسط أهم معالمه في المنظومة التعليمية، حتى يتم الاستئناس بقواعده.
إن الاقتصاد التضامني والتشاركي، هو علاقات إنسانية، ومسؤولية اجتماعية، وتعاون،  وتبادل تجارب مع دول أخرى أبدعت في هذا المجال، واختيارات ثقافية، قبل أن يكون تبادلا اقتصاديا، وقرارات سياسية، وسيكون له انعكاس على مستويات عدة تحرك عجلة الاقتصاد التضامني والتشاركي.

إن هذا النموذج التشاركي لا يلغي الاقتصادات العملاقة التي يبنى عليها العالم، لأن من يعتقد هذا فهو واهم.  لكن كونها جديدة على الأنماط السائدة فمن الضروري الاستئناس بها، لأنها في العمق استثمار كبير بالنسبة لرجال الأعمال في علاقتهم بالمقاولات المتوسطة والصغيرة، إضافة إلى المجالات الاستثمارية الكبرى التي يتيحها هذا النموذج الاقتصادي التضامني والتشاركي. وبالمناسبة هذا النموذج غير مرتبط بالمسلمين فقط وإنما هو متاح للجميع، لذلك أصبحت تعقد مؤتمرات بجميع أنحاء العالم من أجل الاستفادة من هذا المشروع التضامني والتشاركي، باعتباره رافعة اقتصادية واجتماعية تساهم في بسط الأمن والسلام ومحاربة التطرف بشتى أشكاله لكن بمقاربة تنموية.

لذلك المطلوب الانخراط في هذا المشروع التضامني، بناء على استيعاب كل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمثقفين، وتقوية الشراكات والتعاقد المتعلق بالبعد الاقتصادي ذي الطبيعة الاجتماعية والتنموية.
إن  هذا النموذج التمويلي،  بدأ يشق طريقه خاصة في عصر كثر فيه البحث عن بدائل نظرا للأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم اليوم.
نخلص مما سبق ، أن التنمية مطلب استراتيجي لكل الدول والشعوب، والاقتصاد التضامني والتشاركي آلية من آليات الحضور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ولن يكتب له النجاح إلا بالشعور بالمسؤولية الإنسانية، والحكامة الجيدة، واستثمار الموارد الطبيعية والبشرية بعقلانية. والتركيز على البُعد التعليمي والتربوي في هذا المجال.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.