على هامش المشاركة في المنتدى العالمي للنساء البرلمانيات في مقر البرلمان الأوربي

د جميلة المصلي
انعقد المنتدى العالمي للنساء البرلمانيات في بروكسيل بمقر البرلمان الأوربي أيام 27 -28-29 نونبر 2013، وتكمن أهمية هذا الملتقى في حضور أربعمائة برلمانية وأكثر من ستمائة مشارك وبحضور 100 دولة من مختلف دول العالم.
إن اجتماع هذا العدد الكبير من المشرعات العالميات وتنوع ألسنتهم وثقافاتهم يؤكد مرة أخرى القضايا والإشكالات النسائية المشتركة رغم تعدد البيئات الثقافية والاجتماعية، ومن أهم المواضيع التي حظيت بالاهتمام  البحث عن وسائل كفيلة بتقوية المشاركة النسائية في المجال السياسي والاقتصادي.
إن الحضور البارز للتمثيليات النسائية من البرلمانات العربية في هذه التظاهرة، كان أمرا مثيرا للاهتمام من حيث عدد المشاركات ومشاركة برلمانيات من السعودية لأول مرة، ويفسر ذلك ارتفاع التمثيلية النسائية في البرلمانات العربية بفعل التطور الكبير والتحولات التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية في مجال المشاركة السياسية للمرأة، فلاشك أن هناك تطورا ملحوظا في هذه المشاركة في المنطقة العربية التي سجلت ارتفاعا مقدرا، وانخرطت دول عربية كانت إلى وقت قريب لا تعرف تمثيلية نسائية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
 والمغرب يعرف مشاركة نسائية وازنة في البرلمان بلغت 17٪،  والأردن انتقلت إلى 18٪، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 20٪.
واعتبرت هذه المحطة مناسبة للتعريف بما حققته المرأة على المستوى العالمي وتطور تمثيليتها السياسية، في البرلمانات والحكومات. ومن القضايا التي أثارت نقاشا واسعا موضوع الكوطا أو ما يعرف بنظام الحصة الذي يعتبر من أهم التدابير المتخذة لرفع التمثيلية النسائية وهو شكل من أشكال التمييز الإيجابي لمساعدة المرأة للتغلب على العوائق التي تحد من مشاركتها السياسية، وكذا تقليص الفجوة بين الجنسين في مجال التمثيلية السياسية .
 و تصنف الحصة إلى أربعة أنواع:

النوع1: حصة دستورية للبرلمانات الوطنية.

النوع2: بند تنظيمي للحصص في القانون الانتخابي للبرلمانات الوطنية مع وجود جزاءات.

النوع2 : بند تنظيمي للحصص في القانون الانتخابي للبرلمانات الوطنية مع عدم وجود جزاءات.

النوع3 : حصة دستورية أو تشريعية على المستوى دون الوطني. النوع4 : حصة للأحزاب السياسية للمرشحات في الانتخابات. وتتوزع أنواع الحصة من حصة دستورية إلى حصة قانونية أو حصة حزبية تطوعية : فالحصة الدستورية هي تلك التي ينص عليها الدستور صراحة، بينما الحصة القانونية هي تلك التي ينص عليها قانون الانتخاب، أو قانون الأحزاب السياسية، أو أي قانون آخر مطبق في البلد المعني. وتستند الحصة الدستورية والقانونية إلى نصوص تشريعية تلزم الأحزاب السياسية بتطبيقها. وفي حالة عدم الالتزام، تتعرض الأحزاب إلى مخالفات يحددها القانون، وتتنوع عادة من استبعاد المرشحين إلى استبعاد الحزب السياسي المخالف وحرمانه من الدعم لعمومي.
أما الحصة الطوعية فيتم تبنيها طوعا من قبل الأحزاب السياسية لضمان ترشيح نسبة محددة من النساء على قوائم الحزب. وهذا الشكل من أشكال الحصة غير ملزم ولا ينتج عن عدم الالتزام به أي مخالفة.

وتقوم الأحزاب السياسية بدور كبير في تشجيع تمثيلية النساء، ففي العديد من الدول الديمقراطية خاصة الاسكندينافية منها، تعمد الأحزاب إلى وضع حصة داخلية لرفع تمثيلية النساء. وفي النظم الديمقراطية تمثل الأحزاب السياسية القناة الرئيسية للمشاركة السياسية. ففي ألمانيا يخصص حزب الخضر البديل حصة قدرها %50 للنساء، ويخصص حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي حصة قدرها 33,3 %، ويخصص الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني حصة قدرها %40، وهكذا في بعض الأحزاب البلجيكية والنرويجية. غير أن استجابة الأحزاب السياسية في وضع حصة داخلية في مختلف أنحاء العالم تبقى ضعيفة. وتتحمل الأحزاب مسؤولية كبيرة في إنجاح نظام الحصة من خلال اعتماد والتزام مساطر ديمقراطية وشفافة في وضع اللوائح وقوائم المرشحات، لتحويل مشاركة المرأة عبر الكوطا إلى مشاركة فعلية وإضافة نوعية ووازنة تسهم في تطوير الحياة السياسية .
 في هذا السياق عمدت مجموعة من الدول إلى إقرار نظام الحصة كآلية لتحسين مستوى التمثيلية النسائية بطريقة تدريجية تراعي الوضع الاجتماعي القائم، وهي معاملة تفضيلية مرحلية في انتظار توفير شروط مجتمعية تضمن مشاركة نسائية تلقائية، تستطيع المرأة من خلالها خوض غمار المنافسة السياسية والانتخابية المباشرة.

ومن أكثر الانتقادات الموجهة إلى نظام الكوطا الانتقاد الذي يعتبر التمييز الإيجابي إجراءا يمس الجانب النظري المتعلق بمفاهيم المساواة والمواطنة وسيادة الأمة. وبالرغم من هذه الانتقادات، فقد حظيت هذه الآلية باهتمام كبير من قبل المجتمع الدولي وطبقت في العديد من الدول التي ضمنتها تشريعاتها الوطنية وتبين الدراسات تنامي اللجوء إلى نظام الحصة، فأكثر من ثمانين دولة تطبق نظام الكوطا، وتمكنت 15 دولة فقط من هذه الدول من تحقيق نسبة 30/، وهناك 30 دولة فقط تجاوزت 20/، واستطاعت 45 دولة أن تصل إلى 15/ عن طريق لوائح الأحزاب.

 وفي المغرب  يمكن أن نسجل بداية بأن اعتماد نظام “الكوطا” في المغرب قد تم نتيجة توافق بين الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات والحكومة سنة 2002، وذلك بمناسبة وضعها للقانون التنظيمي رقم 02.06 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب، والذي بمقتضاه أصبح هذا المجلس يتألف من 325 عضوا، 295 منهم ينتخبون على صعيد الدوائر الانتخابية، بينما يتم انتخاب 30 عضوا على المستوى الوطني(المادة الأولى)، ولم يتم ذكر تخصيص اللائحة الوطنية للنساء صراحة في القانون التنظيمي حفاظا على دستوريتها ظاهريا. غير أن الأحزاب السياسية التزمت بميثاق شرف بالاقتصار على ترشيح النساء فقط دون غيرهن في اللائحة الوطنية. لكن، إذا كانت صيغة اللائحة الوطنية المخصصة ضمنيا للنساء تشكل في حد ذاتها خطوة إيجابية في اتجاه تحسين تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، فإنها مع ذلك قد أثارت نقاشا، بحيث تباينت المواقف بين مؤيد ومعارض. كما اعتمد نظام اللائحة في الانتخابات الجماعية لسنة 2009م بمقتضى التعديلات التي شملت مدونة الانتخابات وهمت إحداث لوائح إضافية. وفي القانون  التنظيمي الجديد لمجلس النواب تم التنصيص في المادة الأولى على إحداث دائرة انتخابية وطنية: 90 عضوا ينتخبون برسم دائرة انتخابية وطنية تحدث على صعيد تراب المملكة.
وقد حظي إجراء الكوطا بالقبول أكثر من المناصفة، وتعرف المناصفة بين الجنسين على أنها المساواة العددية والحضور والتمثيل المتساوي للنساء والرجال في جميع مراكز اتخاد القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد تطورت المطالب النسائية في اتجاه تبلور مطلب تخصيص ثلث المقاعد المنتخبة للنساء في أفق المناصفة، وارتفعت العديد من الأصوات للمطالبة بالمناصفة في كل الهيآت المنتخبة،  فعلى المستوى العربي قامت تونس بسن قرار يقضي باعتماد مبدأ التناصف، في القائمات الانتخابية في المجلس الوطني التأسيسي وهو الأول من نوعه في الوطن العربي وينص هدا الإجراء على ان تتضمن جميع القوائم مبدأ التناصف وجوبا بين الجنسين على أن يتم الترشيح وفق التناوب ولا تقبل القائمات التي لا تحترم هذا المبدأ، وفي المغرب جاء الدستور بمضمون المناصفة بمقتضى الفصل 19: يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور، وثوابت المملكة وقوانينها.
تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء. وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

ومن الدول التي تبنت المناصفة السينغال وجنوب إفريقيا، إذ يتوفران على قوانين خاصة بتطبيق المناصفة في المؤسسات المنتخبة، عبر اعتماد لائحة الترشيح مناصفة بين الجنسين
وتعتبر التجربة الفرنسية رائدة في هذا المجال إذ عمل المشرع الدستوري الفرنسي، رغبة منه في ضمان المشاركة الفعلية للنساء في الحياة السياسية، على  إقرار تعديل دستوري سنة 1999 مس بالأساس الفصلين 3 و4 من الدستور، وبمقتضى هذا التعديل أصبح الفصل الثالث يتضمن فقرة جديدة أخيرة تنص على أنه ” يدعم القانون الولوج المتساوي للنساء والرجال إلى الانتدابات والوظائف الانتخابية”.

 إن الملاحظة الأساسية في مجال التمثيلية السياسية النسائية هي أن هناك تفاوت كبير بين الدول لكن المشاكل الثقافية والاجتماعية تتشابه ، فأصوات كثيرة ترفض صورة المرأة في الإعلام وما تتعرض له من استغلال في الإعلانات الإشهارية بشكل يجردها من كينونتها ويجعلها سلعة. إن من المداخل الأساسية في تغيير النظرة السلبية للمرأة ودورها السياسي هي وسائل الإعلام التي لها دور كبير في بناء العقليات والثقافات وتوجيه السلوكات.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.