بويخف يكتب: تونس الديمقراطية ومصر “الديموقسيسية”

 14.02.01

بقلم/ حسن بويخف*

فيما ركبت تونس سفينة التوافقات الديمقراطية بسلام، تعثرت ليبيا في فخ النزاع المسلح، وغرقت مصر في وحل “الديموقسيسية” كما سنبينها لاحقا. بهذه الصورة يمكن تقديم حالة تلك الدول مع الربيع الديمقراطي بشكل مركز.

فالدول الثلاثة تشترك في كونها “تخلصت” عبر ثورات “الربيع الديمقراطي” من قادتها السياسيين الديكتاتوريين، غير أن الدول الثلاث تبعت مسارات مختلفة بعد ذلك في بناء مؤسسات الدولة واقتسام السلطة، هيمن التفاوض والتوافق في الحالة التونسية وهيمنت لغة القوة في الحالتين الليبية والمصرية. فليبيا، ذات الأحزاب والمؤسسات الضعيفة، تعثرت إلى حد الآن في فخ لغة السلاح بعد تحول مجموعات من الثوار إلى ملشيات مسلحة دخلت اللعبة السياسية بلغة الرصاص. أما تونس ومصر، رغم دخول الإرهاب فيهما على الخط لإرباك التجربة، فقد تجنبتا فخ التحاور بالسلاح بين الفرقاء السياسيين، ودخلتا معا تجربة العملية السياسية بوضع الدساتير وتنظيم الانتخابات. غير أن مصر سرعان ما تعثرت هي الأخرى في فخ ما يمكن اختزاله في “الديموقسيسية” باعتبارها تشويه “جيني” للديمقراطية تنفرد به مصر بطلها المشير السيسي. حيث عاد حكم العسكر المتخفي في جبة المدني على أكتاف الثورة المضادة، وأعلنت المؤسسة العسكرية المشير عبد الفتاح السيسي، الذي كرسه الإعلام المصري أبا للمصريين، مرشحها للانتخابات الرئاسية. وذلك بعد نجاح الدولة العميقة في إيجاد حلفاء مدنيين، وبعد صراع حول اقتسام السلطة اتسم بغياب التفاوض السياسي وغياب الاستعداد للتنازلات واللجوء إلى القوة السياسية، تسلح فيه الرئيس المنتخب مورسي بالشرعية الانتخابية، وتسلح خصومه بتعبئة الإعلام ومؤسسات الدولة وتأليب الرأي العام والشارع، وانتهى الصراع بالانقلاب العسكري وإسقاط الدستور والمؤسسات المنتخبة، والتمكين لمسار سياسي أهم سماته إقصاء الإخوان المسلمين من العملية السياسية بحلهم، والتمكين من جديد لحكم العسكر.

انفردت التجربة التونسية بين تلك التجارب، بثلاث ميزات أساسية افتقدتها التجربة المصرية بشكل فضيع، الأولى، تسلح الفرقاء السياسيين التونسيين، بقدر عال من الوعي السياسي المعتمد على التفاوض السياسي والتوافق الديمقراطي، والتنازل عن المكاسب السياسية لمصلحة الوطن، وخاصة حزب النهضة الحاكم (سواء في وضع بنود الدستور أو من خلال التنازل عن الحكم). ثانيا، دخول المجتمع المدني كصمام أمان في العملية السياسية، وخاصة “الاتحاد العام التونسي للشغل”، الذي احتضن ودبر الحوار الوطني في وضع وتنفيذ خارطة الطريق. ثالثا، حسن تدبير الزمان السياسي بتخليصه من الاستعجال المؤجج للصراع.

ولا شك أن مصر أيضا عرفت توافقات، غير أن الفرق بين التوافقات التي تمت في تونس والتي تمت في مصر كالفرق بين الديمقراطية وحكم العسكر. فالتوافقات التونسية تمت بين الفرقاء السياسيين، أولا برعاية المجتمع المدني ودون إقصاء أي طرف، وتمت ثانيا باحترام كامل للمؤسسات الديمقراطية التي أفرزتها الثورة، وتمت ثالثا بعيدا عن تدخل المؤسسة العسكرية أو الأمنية، وتمت رابعا بإعمال الآليات الديمقراطية على أساس أرضيات التوافق السياسي. وتمت خامسا، دون إراقة قطرة دم مواطن تونسي واحد بيد أطراف التفاوض السياسي (ضحايا الإرهاب مستثنون من هذا الاعتبار). وهذه المميزات جعلت من التوافقات التونسية توافقات ديمقراطية حقيقية.

وبالعكس تماما، فما تم في مصر تم على أساس القوة المادية التي خلفت آلاف الضحايا والجرحى والمعتقلين السياسيين، وعلى أساس نقض الكسب الديمقراطي للثورة سواء تعلق الأمر بالمؤسسات المنتخبة أو بالدستور. وتم أيضا على أساس إقصاء أحد أكبر الأطراف السياسية في العملية، وتم ليس فقط برعاية المؤسسة العسكرية بل بتدبير وتدخل مباشر منها.

إن “الديموقسيسية” المصرية ليست مجرد تلاعب بالألفاظ أو تعبير كاريكاتيري عن الحالة المصرية، بل هو “مفهوم” يلخص تجربة الثورة المصرية وخصوصيتها، ويستحضر مفهوم الدولة العميقة وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية وبمجتمع الأحزاب والمنظمات المدنية وباقي مؤسسات الدولة وخاصة القضاء، والإعلام والمؤسسات الدينية، وكيف يتم استيعاب التدخل الأجنبي في المشهد، وكيف يتم ترجمة تلك العلاقات المعقدة في سيناريوهات تحرص على الظهور بمظهر ديمقراطي وببعد شعبي، وكيف تنجح “الديموقسيسية” في نهاية المطاف في استصدار الدعم السياسي ليس فقط من طرف دول الخليج ولكن أيضا من الغرب والمجتمع الدولي الديمقراطي.

إنه بعد ثلاث سنوات من الثورة التي أسقطت الرئيس العسكري حسني مبارك، انخرطت المؤسسة العسكرية مبكرا في استعادة حكم البلاد من خلال قائدها المشير عبد الفتاح السيسي الذي أسقط بانقلاب أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، هو من ولاه قيادة الجيش في سياق الثورة. وأعلنت المؤسسة العسكرية ترشيح السيسي على مسمع القوى العلمانية التي ناضلت من أجل تحرير مصر من حكم العسكر، لكنها في ظل “الديموقسيسية” انتهت بالتحالف معه ضد خصم سياسي ينافسها بقوة شعبيا وانتخابيا ومجتمعيا. لكن في ظل “الديموقسيسية” أيضا تم التفاوض مع الإخوان المسلمين أنفسهم بصفتهم أكبر قوة سياسية وانتخابية منظمة في البلاد، لإنجاز مهمات كانت ضرورية في التمكين للعسكر من جديد، قبل أن ينقلب عليهم الجيش ويحل تنظيماتهم، ويزج بقياداتهم في السجون، بعد أن حولهم من منظمة مدنية انتخب أحد قادتها رئيسا لدولة مصر، إلى منظمة إرهابية تسعى دولة مصر إلى استئصالها في كل دول العالم. “الديموقسيسية” إذن مفهوم يلخص قصة التشويه الجيني المعقد لكسب الثورة وللديمقراطية معا.

إن الخلاصة العامة التي يمكن الخروج بها هي أن تونس استمرت فيها الثورة ونجحت النخبة السياسية فيها، بمساهمة تاريخية للنهضة، في الحفاظ على مكتسبات الثورة، والتوافق على خارطة طريق تتأسس على إشراك الجميع واعتماد الآليات الديمقراطية على أرضية من التوافق، وقدمت بذلك درسا حيويا في أهمية التفاوض والتوافق الديمقراطي في بناء الدولة بعد الثورة وفي اقتسام السلطة، ومصر قدمت الدليل على أن الشرعية الانتخابية وحدها لا تكفي في مثل ذلك البناء، ومكنت لـ”الديموقسيسية” التي فتحت باب الانتكاسة الديمقراطية التي يرتقب أن تشكل تهديدا خطيرا في منطقة الربيع الديمقراطي ومنطقة الشرق الأوسط.

*كاتب صحفي

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.