محمد عصام يكتب: حين تفسد السياسة الفن

بقلم محمد عصام
يعتبر الفن بطبيعته أكثر المجالات تمردا ورفضا  لكل الوصايات، وتاريخ الفن هو تاريخ معارك طويلة متواصلة لتحرير الإبداع لمعانقة الحرية في أسمى  معانيها، لكن المتتبع للصحافة الوطنية لهذا الأسبوع سيصدم لا محالة من جرأة البعض وتنصيب نفسه حارسا على “معبد الفن” مشهرا المقاصل ضد كل من يخالف قناعته، بل ذهب الأمر بالبعض إلى حد نصب محاكم تفتيش جديدة، للتنقيب في النيات وسبر السرائر. بدعاوي مختلفة لكنها تتفق في مضمونها على مصادرة حق  الآخر وممارسة الحجر الفكري على الفنانين واختياراتهم الفنية أو السياسية.

سبب نزول هذا الكلام هو ما تعرضت له الفنانة فاطمة وشاي من حملات مغرضة  للنيل منها، ومن قيمتها الفنية المقدرة عند كثير من المغاربة، فهذه الحملات كشفت عن وجه بئيس لأصحابها وصلت درجة اتهام الفنانة برغبتها في إعادة تكرار تجربة الفنان ياسين أحجام مع العدالة والتنمية من باب أن ما صرحت به الفنانة من قناعات إنما هو مغازلة في اتجاه البحث عن موقع نيابي ضمن لائحة النساء. إن هذا المنطق يستعير وظائف الأبوة والوصاية في أضيق وبأخس معانيها من أجل ممارسة حجر فكري وإرهاب سياسي على مجرد رأي لا يخص إلا صاحبته فقط .


الغريب في الأمر أن الذين تولوا كِبر هذه الأحكام هم ذاتهم الذين ينصبون أنفسهم بمناسبة أو بغيرها منافحين عن الحرية والحداثة وما يشبههما من أخوات الرضاعة أو التبني. وكأن مقال حالهم يقول إن الحرية لها مقاس وهامة لا يجب أن تتعدى كساح نظرهم, وأنها إن أبت الانصياع لسقف انحنائهم، ترتدُّ كفرا بواحا أو على الأقل منكرا وجب تقليم بشاعته.

إننا نعتقد رسوخا أن أي انسان قبل أن يكون فنانا من حقه التعبير عن رأيه ما دام هذا الرأي لا يلزم إلا قائله، وكنا نظن أن حداثيينا الذين “فرعوا” رؤوسنا بالحداثة حتى ولدوا لدينا اشمئزازا منها بعد أن غدت أصلا تجاريا يقتاتون به في المنتديات، وأصبحوا من خلالها يوزعون صكوك الرضى على هذا أو ذاك،  وفق ما تمليه أخيلتهم  ونزواتهم. لكي لا أقول قناعاتهم لسبب بسيط، هو أن القناعة عملية بنائية لنسق منسجم من التصورات والمواقف، ينبني بعضه على بعض، وينتهي إلى نتائج موحدة يمكن توقعها والتحكم في معيرتها وقياسها.

أن تعبر الفنانة عن موقفها مما يعتبره البعض جرأة فنية وتختم كلامها بموقف سياسي من فصيل سياسي معترف به رسميا وله امتداد مجتمعي مقدر، فهذا حقها الذي يكفله لها دستور جديد متوافق عليه بين شركاء الوطن، قبل أن تكفله مواثيق الدنيا وأعرافها وقوانينها حاضرا ومستقبلا .ولكن أن يغتاض البعض من ذلك وينصب نفسه وصيا على خيارات الناس السياسية والفنية، فإنه يعكس انحطاطا في السلوك وبؤسا في الرؤية، وحين يقترن ككل ذلك بادعاء الحداثة والتقدمية فان الجريرة تصير كبيرة والجرم يقارب الجناية.

وللمزيد من الفهم وقبل أيام فقط انبرى هؤلاء المتنورون جداً لشن حملة استعداء بناء على استغراب موقف إسلاميي المغرب وعلى رأسهم العدالة والتنمية لعدم تصدي هؤلاء لشريط سينمائي أخرجه مثلي مغربي مجاهر بمثليته تحت عنوان  ‘جيش  الإنقاذ ” ، وبدأت الآلة الإعلامية والسياسية الرهيبة في شيطنة ” إخوانيي المغرب ” وأن لا غيرة لهم على دين الناس، وأن دفء مقاعد المسؤولية في التدبير أفقدتهم المناعة للتصدي (لأعداء الدين)!!!!؟
فلهذا نقول إنه من حيث المبدأ لا أحد وصي على المعتقد الجماعي للناس، وأن هذه النازلة تكشف عن وجود إرادات صريحة ومضمرة لاستدراج فئة من الشعب ضد أخرى،  كما حاول بعض السياسيين مؤخراً استعادة نقاش حول الأسرة والمرأة، الذي قد حسمه المغاربة منذ زمن بآليات الإجماع والتسليم لجهة التحكيم لما لها من رمزية للذوذ عن المشترك الجماعي للمغاربة. وفي ذات الوقت يبدو أن الطرف الثاني من المعادلة  قد استوعب أنه من العبث أن يكبل نفسه في لعب دور أرنب سباق بالتأكيد لن يكون هو الرابح فيه.

ومن جهة ثالثة لا نحتاج أن نذكر البعض أن الشعب المغربي قادر لوحده- حين يقتضي الأمر- الدفاع عن هويته، وأنه يمتلك ذائقته الفنية الجماعية،  والتي تكونت عبر صيرورات تاريخية وتلاقحات حضارية، أقول إنه قادر أن يهب الحياة  ويضخها فيما يراه منسجما مع ذوقه العام من إبداعات فنية. أما كراكيز اللحظات الميتة فمصيرها الاختناق والموت الذي لا ينفع معهما اختلاق المظلوميات وتقمص أدوار الضحايا.
أما أهل السياسة فإننا نهمس بوحا في آذانهم: إنكم  إذا دخلتم ” قرية الفن ” ستفسدون الفن والسياسة معا، وتجعلون أعزة أهل فن أذلة. فاتركوا أهل الفن في سلام !!!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.