التليدي يكتب: الانتخابات البلدية التركية وانتصار النموذج

14.04.02
بقلم: بلال التليدي
بنفس الدرجة التي وقع فيها الإجماع بين المحللين والمراقبين والفاعلين السياسيين في تركيا على أن الانتخابات البلدية التركية هي استفتاء على شعبية العدالة والتنمية وانتخابات بلدية بطعم التشريعية، فإن النتائج التي أفرزتها – الأولية- جاءت لتؤكد نجاح النموذج الإصلاحي الذي قدمه حزب العدالة والتنمية، وامتلاكه لعناصر الحصانة والمنعة التي جعلته يواجه تحديات عظيمة، لشدة قوتها ذهبت أغلب التقديرات- بما في ذلك تقديرات العدالة والتنمية التركي نفسه- أنها ستنال بقدر من الأقدار من شعبية الحزب، وستخفض نسبة فوزه.
 والواقع أن النتيجة الساحقة التي حققها العدالة والتنمية بنسبة 47 في المائة كما في آخر التقديرات الأولية لا تعني فقط نجاح ورسوخ النموذج الإصلاحي الذي أرساه هذا الحزب، ولكنها تعني  أيضا  انتصار صيغة الإصلاح في ظل الاستقرار، إذ أن قطاعا مقدرا من الشعب التركي، صوت لصالح  الاستقرار، كما صوت القطاع العريض الآخر لصالح التجربة.

بمعايير الإنجاز وقياس التقدم، وبمعايير التنافسية، لا وجود لأي حزب في تركيا يستطيع اليوم أن يحظى بالشعبية التي يمتلكها حزب العدالة والتنمية التركي الذي قاد البلد إلى النهوض وأثبت بالمؤشرات الرقمية والواقعية الملموسة في مختلف المناحي تبوء تركيا للموقع الإقليمي الذي تحتله اليوم.
والحقيقة، أن قوة هذا النموذج ترجع بالأساس إلى ثلاث عناصر أساسية:

الأول، وهو البعد الإصلاحي في المشروع،  ويؤشر عليه التطور الكبير الذي تعرفه تركيا، إذ انتقلت تركيا بفضل هذا الحزب ورهانه على القوة الاقتصادية للبلد من الرتبة 111 إلى الرتبة 16، في العالم، واستطاعت أن تنهي ديونها بشكل كامل، وارتفعت صادراتها من 23 مليار دولار إلى 153 مليار دولار، وحققت نسبة نمو بحوالي 4 في المائة في 2013 وهي من أكبر النسب المسجلة بالقياس مع دول أوربا.

الثاني، وهو البعد البراغماتي الواقعي، الذي يتضمن جميع صور الإبداع التركي في البحث عن مصادر الثروة، وتكييف السياسات الخارجية لخدمة امتداد المصالح التجارية للبلد في الخارج واستثمار المتغيرات الإقليمية كما حدث في دول البلقان ودول الربيع العربي لاحقا، والقيام بأدوار دبلوماسية طلائعية، والتحول إلى قوة إقليمية كبرى في المنطقة.

الثالث، وهو العمق التدافعي للمشروع، وامتلاكه اليقظة الكافية لتعزيز مواقعه، وتحصينه وممانعته ضد جميع المناورات الداخلية والخارجية التي تستهدفه، والالتفاف حول الشعب، وطلب إسناده لتصليب عود المشروع وضمان استمراره.
هذه هي العناصر الثلاثة التي ضمنت قوة المشروع وصلابته واستمراره، وهي التي مكنته من مواجهة أخطر التحديات التي واجهته، وبالخصوص الاستهداف الخارجي ، والذي وصل حد استثمار ورقة الأمن القومي التركي ومحاولة زعزعته من خلال تسريبات لمضمون اجتماع رفيع المستوى عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

صحيح أن المعركة لمواجهة هذه الاستهدافات، كانت شرسة، واستعملت فيها كل الأسلحة، ابتداء من  افتعال حراك  “تقسيم”، ووصولا إلى محاولة زعزعة الأمن التركي، ومرورا بمحاولات تشويه صورة الحزب الحاكم بافتعال أزمة فساد لا يزال القضاء التركي يحقق فيها وفي خلفياتها، وصحيح أيضا أن  رقعة التدافع اتسعت ووصلت إلى مناطق التماس الخطيرة التي جعلت بعض مقتضيات الديمقراطية وثوابت الأمن على مرمى قوس، لكن، يبدو أن نتائج الانتخابات البلدية ستعيد الأمور إلى نصابها، وستدفع المراهنين على  توجيه ضربة قاصمة إلى العدالة والتنمية يراجعون حساباتهم وطرق اشتغالهم في الانتخابات الرئاسية في غشت القادم، كما ستدفع الحزب الحاكم إلى التخفيف من لغته المتوعدة، والانشغال أكثر باستكمال بقية عناصر مشروعه في نقل تركيا إلى  مصاف الدول المتقدمة الأولى.

 نعم، لا شيء يرجح بأن المواجهة ستخف، لاسيما وأن الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية ثم البرلمانية وشيكة ومتتالية،  ولا يستبعد أن تدفع  النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية لإخراج “العين الحمراء” في وجه خصومه حتى لا يعاد نفس السيناريو  العصيب الذي عاشه الحزب، كما أن الفاعل الخارجي الذي كان يعقد آمالا واسعة على هزيمة لحزب العدالة والتنمية، سيضطر إلى بناء رؤية أكثر براغماتية في التعامل مع هذه التجربة، صحيح أن الأمور بهذه الصورة على أرض الواقع، لكن الرصيد التدافعي الذي كونه الحزب على امتداد عقود خلت، والخبرة الدبلوماسية التي امتلكها، تؤهله لإعادة تكييف رؤيته الإصلاحية، وإعادة إصلاح بنية الدولة التركية وتقوية هياكلها، بما يجعلها في منعة وحصانة من أي اختراق داخلي أو أجنبي واقع أو متوقع.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.