رحموني يكتب: المسؤولية هيبة.. هي نضال وعطاء ووفاء

قراءة : (38)

14.04.23
بقلم- خالد رحموني
اللاهثون وراء المواقع المتقدمة في مناصب التصدر والوجاهة، الحاشدون لها كل الوسائل المتاحة والممكنة، الساعون للوصول إلى كرسيها الوثير، يحسبون أنها وجاهة وتعاظم وتعالٍ وكسب من ذوات خبرتهم أو ميزة من صنيع كفاءتهم، وان بها مكاسب وامتيازات جمة يحلمون بها خفية وفي العلن بوحا ظاهرا، تمدهم برغد العيش وهناءة الحياة وسلاسة الكسب، هم في العمق مشتبهون بل مخطئون الظن والتقدير والمسير، فإن كانت كذلك في يوم مضى فلن تكون استقبالا .


المسؤولية جزء من النضالية تكتسب بها الهيبة، لأنها أمانة، مفروض فيها أن تؤدى بنقاء، وبوازع من ضمير، وبكابح من تواضع للناس وخفض جناح، وينظر إليها أنها باب من أبواب الجنة يوصل إلى الخلود ، واليوم تؤدى برقابة صارمة من قبل وعي عام للناس خبير وحساس، قبل رقابة أجهزة الحزب والدولة، التي كثيرا ما احتاجت هي ذاتها إلى ذات تلك الرقابة الشعبية لتقوم .
أداء المسؤولية قاصم للظهر، لما تحمله من مهام وواجبات، وما تحتاجه من تعب وسهر ومثابرة وجرد حساب، لمعرفة النتائج ومحاسبة النفس عن الزلل ونقد الذات دوما لكبح التقصير ولجمه، فهي إجهاد مستمر للفكر، بحث عن ابتكارات وإبدعاة لانجاز الواجبات بإتقان وإحسان، بسرعة ودقة .


من أراد الهيبة في المسؤولية، وجب عليه أن يكون واعيا مدركا ملما بمتطلباتها، حاملاً سلاحها بيده وقلبه، سلاح العدل والوفاء والتواضع الرفيق، منكرا للذات محبا للجمع، أول اسم في قائمة المحاسبة اسمه هو ذاته، ثم أسماء المقصرين في واجباتهم، فمن أقام العدل لن يقال له تجاوزت الخطوط .


من أراد الهيبة في المسؤولية وجب عليه أن يكون هو الأكفأ لها، كفاءة المعرفة بالعلم والثقافة والخبرة، ليس بالحسب والنسب ولا باستراق الغفلات، ولا بالهدير والضجيج، ولا بالدس والمناجاة، ولا باقتناص الفرص واستغلالها، كمن يضع الزيت على النار ليعلو لهيبها، وليس بمحاربة الأفكار البناءة الصادرة من سواه أو شخصنتها أو تكوين صور نمطية على منتجي الأفكار البانية، فيغار منها ويهاجمها، تحت أردية واطئة رخوة، وهو أفقر الناس للنبيل والوفاء.


من أراد الهيبة بالمسؤولية وجب عليه أن يفرغ نفسه لها بإخلاص، لا أن يجعل منها مطية  عبور للتمجد ولا سلاما ووصلا بالقربى بذوي الشأن، يصعد لينال مبتغاه، فمن كانت هذه أهواؤه وأساليبه، سيكون ممسوخا من الهيبة، وسيجد من ابسط الناس من يقول له كلاماً لا يرضيه بل سيحتقره الناس ممن كانوا من المقربين .


من أراد الهيبة بالمسؤولية ، عليه أن لا يجعل بينه وبينها حجاب، فأن هو تفكر وتدبر، تعمق في البحث عن حل المعضلات، اخذ بالاجتهاد والقياس، اعتبر من أخطاء غيره، جالس العامة والبسطاء من الخلق، استمع لهم وانتصح بصدقهم، فهم أبرياء بالفطرة، فقد أزال ما بينه وبين الهيبة من حجاب، فأحسن الأداء وملك قلوب العباد، ومن ملكها جاءته الهيبة تسعى بلا ادعاء أو رفعة موقع عابر .


من أراد الحصول على الهيبة في العمل العام والسياسي منه بالخصوص، عليه أن لا يسقط من بداية الطريق عند أول امتحان واختبار صفاء نية وتحرر قصد، فالهيبة هدف بعيد المنال، لا يطاله أو يناله إدراكا إلا المثابرون المصابرون، الذين يقدّمون أعمالا جليلة فاضلة، لا فئوية ولا جهوية ولا نفعية أو وجاهية، فمن استعلى بالخفاء سيكشف أمره ولو بعد حين، فطاقية الإخفاء ضرب من الوهم والخيال .


النفاق والتزلف والتملق والتقرب للخلق زلفى وتصيد أمزجة المسؤولين والتحرك بمنطقها، إقامة الاعتبار لذوي النفوذ والحظوة والابتسامات المصطنعة وكثرة الترحيب الزائف، الانحناء وخفض الجبين، كلها سموم تورث الهموم وتقتل الهيبة، ومن قتلت هيبته سقط إلى الأبد .


كثيرون من ينادون بإعادة الهيبة، فإن هي ذهبت لن تعود، لأنها فقدت مقوماتها، الهيبة شموخ وعظمة وكبرياء، أساسها المتين الوفاء والعدل والمعرفة والثقة بالنفس، لا ينالها أحد بالأمنيات العاجزة، شروطها منيعة عزيزة على ذوى الذاكرة المحدودة.