حكيم عنكر يكتب “بنكيران.. غصة في حلق الخصوم”

04.05.14

بسرعة، وقبل أن يجف مداد تعهدات عبد الإله بنكيران للنقابات بالزيادة في الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص، خرجت الباطرونا، الشريك الأساسي في الحوار الاجتماعي، كي تعلن عن تنصلها من العرض الذي قدمه بنكيران إلى النقابات، معتبرة أنه قرار لا يلزمها، لأنه مدموغ بحبر أبعاد سياسية. وربما لأول مرة نسمع فيها أن الاستجابة لمطلب الزيادة في الحد الأدنى من الأجور هو مطلب سياسي، وليس مطلبا اجتماعيا.

أحد العارفين اعتبر أن الباطرونا، أو من يملي عليها مواقفها، استفاقت متأخرة وتنبهت إلى الدهاء السياسي الذي أبان عنه بنكيران عندما استجاب أخيرا، وفي الجزء الثاني من ولايته الحكومية التي تشرف على التوجه نحو العد التنازلي، لمطلب نقابي “مشروع” بالزيادة في الأجور، في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تجتازها الدولة وفي سياق يعرف فيه القطاع الخاص انكماشا ملحوظا، أقر به حتى وزير التشغيل عبد السلام الصديقي الذي سرد أرقام المقاولات التي أغلقت أبوابها، مع ما يعنيه ذلك من تسريحات إضافية للعمال في القطاع الخاص وتراجع شجاعة الرأسمال الذي كلما كانت البيئة الاقتصادية والاجتماعية غير مناسبة إلا وتملكه الخوف من الإفلاس.

وتساءل المصدر: من أين سيمول بنكيران الزيادات الجديدة، وهو الذي تراجع مباشرة، بعد توليه رئاسة والحكومة، عن اتفاق 26 أبريل2011 الذي كان أبرمه سلفه عباس الفاسي مع النقابات، وظل يعتبر ذلك الاتفاق بمثابة صخرة سيزيف التي حمل وزرها، كما حمل وزر ملفات أخرى ثقيلة موروثة عن الحكومات السابقة؟

وزيادة في التفسير، اعتبر المصدر أن إبرام اتفاق بالزيادة له جانبان: جانب دعائي وانتخابي يعيد تدارك بعض الفتور في ثقة المغاربة في حزب العدالة والتنمية الذي يقود تجربة “نصف إسلامية” في المغرب تقدم نموذجا لإمكانية المرور إلى “توافق” في تدبير الشأن العام، واقتسام السلطة دون المرور بالضرورة بالحلول المؤلمة؛

وفي هذا، فإن استجابة بنكيران لمطلب الزيادة في الأجور هي كسب لمعركة “السواد الأعظم” الذي يمثل الكتلة الناخبة، وبالأخص استهداف النساء، بشكل ذكي وحاسم، على اعتبار أن أغلب شغيلة السلاليم الدنيا والقطاع الخاص من النساء. ويعتبر رفع الحد الأدنى من الأجر إلى مستوى 3 آلاف درهم علاجا فعالا لمشاكل عدد من العائلات الفقيرة، وترياقا مفيدا في استتباب نوع من التوازن الذي سينعكس بشكل فوري على الجانب الاجتماعي، وبشكل أسرع على أوراق صناديق الاقتراع التي ستذهب لا محالة إلى العدالة والتنمية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

الجانب الثاني الأهم، يكمن في كون الكلفة السياسية لهذه الزيادة على الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية غير ضارة بالمرة، بل فيها منافع كثيرة. وفي ظل الشد والجذب بين الحكومة والباطرونا، والجولات المقبلة من الحوار الاجتماعي التي ستخصص للكيفيات التي سيجري بها تنزيل مثل هذا القرار، والوقت الذي سيستغرقه، ومن المحتمل أن يمتد حتى نهاية الولاية الحكومية، مع رجحان أن يجري تنفيذ الشطر الأول فقط من الزيادة؛ أمام كل هذا سيجد بنكيران وفريقه المصغر من وزراء حزبه الوقتَ الكافي لاستغلال قرار الزيادة سياسيا، بل واستنزافه حتى العظم.

ويخلص محدثي إلى أن بنكيران لعبها بدقة متناهية، ودحرج الكرة من ملعبه، بعد أن رماها إلى شباك أخرى، ثم جلس منتظرا التفاعلات التي ستنتج عن ذلك، ناسفا من الأساس كل الاتهامات التي كانت تصف حكومته بكونها حكومة القرارات اللاشعبية بعد الزيادات المغامرة التي أقدم عليها في المحروقات.

فمن يستطيع اليوم أن يصعد إلى منصة خطابة أو يطلع في وسيلة إعلام أو في بيان حزبي ليعارض مثل هذا القرار، قرار الزيادة في الحد الأدنى للأجر لصالح الطبقات الفقيرة والمسحوقة، من يريد أن ينازل نفسه في معركة خاسرة، هي معركة الحشود التي تذهب إلى التصويت وتكتب مراسيم النبذ.

هذه هي قوة بنكيران: القدرة على التسبب للخصوم السياسيين في غصة في الحلق، غصة دائمة لا شفاء منها!

عن المساء 

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.