العثماني يكتب : إسرائيل والديمقراطيات الصاعدة

قراءة : (14)

العثماني يكتب : إسرائيل والديمقراطيات الصاعدة
04-11-11
يبدو من العديد من القرائن أن الخاسر الأكبر من قيام الثورات "العربية الأمازيغية" في المنطقة هو إسرائيل. وقد تكون هذه الأخيرة اليوم في أضعف وأهون حالة لها منذ قيامها. ولذلك سهلت المصالحة بين فتح وحماس وتيسر بدء ترتيب البيت الفلسطيني، واستطاع الشعب المصري أن يضغط لتغيير موازين القوى وشروط التفاهم على الأرض بين مصر وإسرائيل بعد مقتل ضابط وجنديين على الحدود بينهما. وهذه أمور لم يكن مسموحا بها قبل تلك الثورات. ثم نجحت المفاوضات في مبادلة الجندي شاليط بأكثر من ألف أسير فلسطيني بعد أن اضطرت إسرائيل إلى التنازل عن كثير مما كانت تعتبره خطا أحمر. كما أتى المكسب الفلسطيني بالحصول على العضوية الكاملة في "اليونسكو" ليكمل الحلقة. فهو أيضا يدل على ما وصلت إليه إسرائيل والولايات المتحدة من ضعف التحكم في المنابر والمحافل الدولية عما كانا عليه من قبل، وتبرز أهمية النضال السياسي والدبلوماسي وأنه يؤتي أكله. وتؤكد كذلك أن مما منع حصول الفلسطينيين على حقوقهم هو تواطؤ الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وليس عجز الفلسطينيين أنفسهم عن ذلك. وبالنسبة لتونس يؤكد الكثيرون أنها كانت في عهد الاستبداد وكرا للمخابرات الدولية، والإسرائيلية منها بالخصوص. ومن هنا فإن مجرد سقوط تلك الأنظمة نكسة بالنسبة لإسرائيل.  
ومع الانتصارات الديمقراطية المنتظرة لبلدان الثورات في المنطقة، ينتظر أن تتوالى المفاجآت المفجعة لإسرائيل. وآخرها النجاح الباهر للانتخابات التونسية، إضافة إلى تصدر حركة النهضة لائحة الفائزين.
إن مجرد سير هذه الدول في طريق الديمقراطية، وتحول شعوبها إلى فاعل حقيقي في القرار السياسي أمر مرفوض إسرائيليا. فالأنظمة الشمولية المغلقة كانت باستمرار أكبر سند لسياساتها الاستيطانية التوسعية. ولذلك بذلت إسرائيل جهدا كبيرا للتصدي لتلك الثورات. فهذا بنيامين نتنياهو يطالب الولايات المتحدة بالسماح لنظام مبارك باستعمال العنف لتصفية الشباب الثائر، والضغط على الجيش المصري للقيام بذلك، كما شحنت إسرائيل آنذاك - حسب عدد من التقارير - إلى القاهرة مساعدات عسكرية ووسائل قمع.
 لكن إسرائيل بذلت بالإضافة إلى ذلك جهدا كبيرا للتحذير من وصول الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية للحكم في تلك الدول. ففي الأيام الأولى للثورة المصرية طالب بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة بالتدخل لإنقاذ النظام، وحذر من أن "الزلزال" الذي يضرب المنطقة سيؤدي إلى "ثورات دينية على النمط الإيراني". وقامت صحيفة معاريف الإسرائيلية بتاريخ 8/ 3/ 2011، أي بعد حوالي شهر واحد من سقوط حسني مبارك، بنشر مقال بعنوان "خطة مارشال رئيس الوزراء لوقف الإسلاميين"، ركزت فيه على جهود بنيامين نتنياهو لتأليب العالم لمنع "الأحزاب والمنظمات الإسلامية الراديكالية" من الوصول إلى السلطة. وقد أرسل بعض مساعديه إلى بعض الدول الغربية للتبشير بخطته والتباحث مع مسئولين حول الموضوع. فتبلور من كل ذلك مقترح إنشاء "صندوق دولي لتشجيع الإجراءات الديمقراطية وتشجيع النمو الاقتصادي الكبير في دول الشرق الأوسط".  ونموذجه في ذلك "خطة مارشال" التي وضعتها ونفذتها الولايات المتحدة الأميركية لدعم الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.
وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في تونس، عنونت جريدة معارف في عددها ليوم 24 - 10 - 2011 مقالا لها بالعنوان التالي: "الانتخابات التونسية: أغلبية للإسلام المتطرف". كما تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية، وتناول عدد من السياسيين والباحثين باهتمام وقلقٍ كبيرين، تصدر "حزب النهضة" لنتائج الانتخابات. وعبروا صراحة عن تخوفهم من أن يؤدي ذلك إلى انتقال العدوى إلى مصر في الانتخابات الرئاسية القادمة، ثم إلى بعض الدول الأخرى. وحذر محللون إسرائيليون من أن "الربيع العربي" قد يلد "شتاء إسلاميا".
هذا السيل من ردود الفعل الإسرائيلية، تسير اليوم في تواز مع المحاولات الحثيثة لشيطنة الهيئات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وزرع بذور الحقد والتوتر والصراع بين المسلمين وغيرهم في مصر وبعض الدول الغربية، مما يدل – إذا احتاج الأمر إلى دليل – على أن الأيادي الصهيونية والعنصرية أو الأيادي المخابراتية هي من تقف وراء تلك المحاولات.
وقد انكشف بعد الثورة المصرية أن عملية تفجير كنيسة القديسين المعروفة بالإسكندرية لم تكن إلا تدبيرا من وزير الداخلية في عهد مبارك حبيب العادلي، بغية إسكات النبرة المرتفعة للبابا شنودة ضد السلطة، وإلصاق التهمة بمجموعة "إسلامية". لكن شهادات بعض الضباط بعد الثورة وعثور متظاهرين على وثائق بعد اقتحام أحد مقار أمن الدولة، كشف ذلك المخطط الإجرامي.
هذا النوع من زرع الفتنة والأحقاد داخل أبناء الوطن الواحد خطة لزعزة الاستقرار، ويجب أن تتسلح كل الأطراف بالوعي واليقظة لتفويته على خصوم الأوطان، وخصوم الديمقراطية. وإذا كانت القوى الإسلامية تعرف اليوم صعودا مطردا في البلدان التي شهدت ثورات شعبية، فإن الكيان الصهيوني يعمل جاهدا لإجهاض هذا الصعود بكل الوسائل والدسائس.