بنعبد الصادق : لا يمكن للقانون وحده إصلاح منظومة العدالة

قراءة : (1829)

12-06-18
يتحدث محمد بنعبد الصادق، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، عن أهمية الحوار الوطني حول إصلاح العدالة الذي انطلق قبل أسبوع تحت إشراف الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة، مؤكدا في مقابلة صحفية مع الموقع الإلكتروني (pjd.ma)، بأن الميثاق الوطني الذي سينبثق عن خلاصات جلسات الحوار الوطني طيلة تسعة أشهر، سيكون نبراسا تهتدي على ضوئه منظومة العدالة، مؤكدا بأن ما حوالي 25 بالمائة من الوثيقة الدستورية التي جاءت بها مراجعة سنة 2011، تشكل  لبنة أساسية في بناء صرح منظومة العدالة الكبير .
كما يتطرق بنعبد الصادق في ذات المقابلة، إلى بعض الاختلالات التي تعاني منها العديد من المجالات من بينها القضاء، فضلا عن إبرازه لدور حزب العدالة والتنمية الذي يقود الإئتلاف الحكومي، الساعي إلى محاولة تحقيق بعض انتظارات المواطنين الكثيرة، وفيما يلي النص الكامل للحوار :


س. انطلقت قبل أسبوع، الجلسة الأولى للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، كيف تابعتم التشخيص الذي قدمته بعض المداخلات فيما شبهه البعض بتقديم تقارير سوداء  عن أحوال العدالة بالمغرب ؟
ج.لا بد في البداية من التأكيد، على أهمية الحوار  الوطني حول إصلاح منظومة  العدالة، فهي بادرة غير مسبوقة في محاولة وضع منهجية متكاملة لإيجاد المُناسب من الحلول لإصلاح هذه المنظومة التي بدأت أصابع الاتهام تشير إليها قبل سنوات، وها نحن في عام  2012، ومايزال ورش الإصلاح  مفتوحا، والكشف عن المشاكل الكثيرة  التي تعاني منها العدالة ببلادنا.
وهذه الخطوة المتعلقة بالحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، تندرج ضمن مقاربة ستواصل أشغالها على مدى تسعة أشهر تحتضنها مجموعة من المراكز بالمغرب سيتم فيها تشريح موضوع ذي صلة، بمشاركة 160 شخصية ومؤسسة ومنظمة حقوقية، لتتم بعد بلورة مشروع ميثاق وطني لإصلاح منظومة العدالة، سيكون "نبراسا" يهتدي به المهتمون في طريق إصلاح منظومة العدالة الطويل.


س.من الصدف، أن يتم الإعلان عن تسعة أشهر هي المدة المخصصة للحوار، لأنها هي مدة الحمل العادية، هل تجدها مدة كافية، لولادة إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة ؟
ج.(يبتسم..)، بالفعل  هناك تطابق في مدة الحوار بفترة الحمل الطبيعية، إلا أن إصلاح منظومة العدالة يظل ذلك الورش المفتوح، غير أن الأهم في هذه اللحظة التاريخية، هو هبوب رياح الربيع العربي، وإرساء المراجعة الدستورية لسنة 2011 لأول لبنة إصلاح المنظومة، حيث عملت هذه المراجعة على دسترة مجموعة من الواجبات والحقوق والحريات، فضلا عن تأكيدها على استقلالية القضاء كشرط أساسي لأي إصلاح شامل لمنظومة العدالة.


س.هل في نظركم، الــــ22  فصلا التي جاء بها   دستور 2011، من بين 180  فصلا ، بمقدورها الرقي بمنظومة العدالة إلى ما ينبغي أن يكون؟
ج.ما جاء به الدستور الجديد في هذا الإطار، يُمثل ربع (4/1)الوثيقة الدستورية الحالية، وهذه طفرة في غاية الأهمية  فنسبة 25 بالمائة من الهندسة الدستورية، تم تخصيصها للحقوق والحريات والعدالة، وفي ذلك ما يكفي من الضمانات في هذا الإطار، فضلا عن منح السلطة القضائية مسؤولية تدبير أمورها بنفسها، ومن ذلك الاستقلالية التي يحظى بها القاضي، حيث يملك الحق في تبليغ إشعار بأي  تهديد  يمس استقلاليته.


س. لكن على أرض الواقع، توجد مجموعة من الصعوبات من أجل الانتقال بين ما هو كائن (الواقع)  وما ينبغي أن يكون(الدستور) ؟
ج.أتفق معك، فهذا إشكال أزلي، ولايشغل بال المهتمين بمجال العدالة لوحدها، بل يتعداه إلى مجالات أخرى تعاني الخلل.


س.أين يكمن هذا الخلل في نظرك ؟
ج.ينبغي أن نتفق بأنه في الوضع الراهن، لا يمكن تدبير مجموعة من الاختلالات بواسطة تطبيق القانون لوحده، ذلك لأن القاعدة القانونية لها أبعاد اقتصادية واجتماعية ونفسية، وبالتالي فإنه من غير المعقول أن يطرأ تغيير بين عشية وضحاها،  سيما في مجال صارت فيه مجموعة من ما يمكن تسميته بــ"التقاليد" مألوفة وعادية، مع أنها غير  مشروعة.


س. هل نفهم من كلامكم، أن منظومة العدالة مستعصية عن العلاج ؟ 
ج.ليس إلى هذه الدرجة، لكن ما أود قوله هو أنه لا يمكن  -على سبيل المثال- الحديث عن استقلال أو نزاهة القضاء دون الحديث عن تخليق الحياة العامة، لأن القضاء جزء من المجتمع، وما المشاكل التي يعاني منها إلى جانب باقي المهن القضائية والقانونية المرتبطة به إلا غيض من فيض إشكالية كبرى تعاني منها مجموعة من المجتمعات.


س.ما هي هذه الإشكالية بالتحديد ؟
ج.إنه الفساد، باختصار شديد، ذلك الغول  الذي ينخر مجموعة من القطاعات في المجتمع، ولا بد لأي إصلاح أن يستحضر ما يحيط به، مع أخذ بعين الاعتبار أن التغيير لا يمكن أن يتم في وقت وجيز، ومن شأن الحوار الوطني  حول إصلاح منظومة العدالة تحسيس الرأي العام بوجود يقظة لدى المهتمين، سيما وأن المواطن خرج إلى الشارع في مسيرات ضد الفساد، وكان ضروريا أن يتم الإنصات إليه والعمل على بلورة مطالبه وتصريفها في مبادرات من شأنها تحقيق ما يريده المجتمع.


س.في موضوع ذي صلة، وعلاقة بحقوق الإنسان، يتم توجيه العديد من الانتقادات إلى الشرطة القضائية، واتهامها بانتهاك حقوق الإنسان، وقرينة البراءة المنصوص عليهما في دستور 2011، ما هي مطالبكم في هذا المضمار؟ 
ج.نطالب بالتزام الشفافية على جميع المستويات منذ اعتقال المشبه فيه بمخافر الشرطة إلى جلسات المحاكمة، إذ من المفروض أن يتم تسجيل كامل الاعترافات لدى الضابطة القضائية، بحضور محامي المعني بالأمر أثناء مرحلة الاستنطاق، وبهذا الإجراء نحفظ ماء وجه الضابطة القضائية من التهم الموجهة إليها في كل مناسبة.


س.للسجون علاقة وطيدة بالعدالة عامة، والعدالة الجنائية على وجه الخصوص، في نظركم هل ما تعيشه السجون من أوضاع مزرية قادر على تنفيذ فلسفة نظام العقوبات ؟
ج.ينبغي أن نصل بسرعة إلى قناعة وصلت إليها دول متقدمة مفادها، بأن العقوبات الزجرية لم تعد كافية لوحدها، وبدأ التفكير في عقوبات بديلة، بل اعتمادها  كما هو الشأن في مجموعة من الدول، ونحن بحاجة إلى مثل هذا، خاصة أن المؤسسات السجنية بالمغرب، تعرف اكتظاظا لايطاق ، حيث يصل عدد ساكنة السجون إلى 68 ألف سجين، في الوقت الذي  لا يمكن أن تتجاوز القدرة الاستيعابية 45 ألفا فقط، وهذه الأخيرة تشكل نسبة أقل  بكثير مما ينبغي أن يكون عليه الوضع المحدد في 9 أمتار مربع لكل سجين، بينما نحن المعيار هو 3 أمتار لكل سجين، وهو المعيار الذي لا يتم احترامه، لنجد في الواقع نصف متر مربع لكل سجين.


س.هذا وضع أليم، يتحول معه السجن إلى قبر، وليس إلى مؤسسة للإدماج...؟ 
ج.كما أسلفت، أي محاولة لحل هذه المعضلة لن تفلح دون التفكير في عقوبات بديلة كالغرامات والأعمال ذات النفع العام وغيرها، مع استحضار أن دور السجن هو إعادة التأهيل، وليس أن يقضي السجين العقوبة الحبسية فحسب، فالمفروض في هذه المؤسسة إعادة إدماج نزلائها بعد عودتهم  إلى المجتمع ، وفي هذا الإطار نستغرب من عدم تفعيل اللجان التي تنص عليها المسطرة الجنائية، ومن الضروري أن تتشكل على صعيد كل عمالة، غير أنها لاتقوم بدورها كما ينبغي، وبالكيفية المطلوبة.


س.مشاكل السجون وغيرها من المشاكل، من ضمن سلة الآمال التي يعلقها  المواطنون على حزب العدالة والتنمية الذي يقود تجربة حكومية جديدة، هل هناك بصيص من أمل في مثل هذه الظروف؟   
ج.لم تمر سوى أربعة أشهر على تنصيب الحكومة، وهي مدة غير كافية بالمرة، لتحقيق المعجزة، ذلك لأن أي عملية بناء تتطلب وقتا أطول من عملية الهدم، ومن موقع تحمل مسؤولية تمثيل المواطنين في البرلمان، أطلب منهم الصبر  قليلا على هذه التجربة الحكومية الفتية.


س.كم سيصبرون ؟
ج. (يبتسم...)كما صبروا على وجود الفساد لعدة سنوات وعقود، مطلوب منهم الصبر على الأقل لأربع سنوات، فمن غير المعقول أن تفي الحكومة بالتزاماتها في مدة وجيزة، فهي لا تملك عصا سحرية.ومع ذلك، إن شاء الله لن يكون إلا الخير.


س.بعض القرارات التي اتخذتها الحكومة، من شأنها أثارت غضب المواطنين، ألا يؤثر ذلك على شعبية الحزب؟
ج.الحكومة أيضا اتخذت قرارات أخرى إيجابية، واعتقد بأن ثبات حزب العدالة والتنمية، على مبادئه، ووفائه بوعوده  هو أفضل شعبية يمكن أن يحظى بها أي حزب سياسي.

حاوره/ حسن الهيثمي