ماء العينين تكتب : حتى لا يتبدد الأمل

امينة ماءالعينين*
24-10-12
بعد سقوط نظام بنعلي بتونس متبوعا بالنظام المصري، وتواتر المؤشرات على دنو أجل باقي الديكتاتوريات، تولدت قناعة راسخة لدى عموم المغاربة أن الوقت حان لإنجاز تغيير حقيقي في بُنى السلطة لتخليصها من الاستبداد، وفي مفاصل المجتمع والاقتصاد لتحريرها من الفساد ومنطق الانتفاع الانتهازي.

لقد أعلن المغاربة إذا،  ومنذ بداية الحراك السياسي في منطقة اهتزت أركانها بشعارات اسقاط النظام، أن مطلبهم الأول والأخير يكمن في تمكين الشعب من مراكز القرار ومحاسبة المسؤول عن هذا القرار، فضلا عن تمكينه من مقدرات البلد وخيراته التي طالما احتكرتها أقلية جشعة لم تبد يوما حسا وطنيا حتى في أحلك الأوقات العصيبة التي مرت بهذا الوطن.

هكذا تولد الأمل فبدأت المياه الآسنة تتحرك في المشهد السياسي المغربي المتسم في جوهره بالثبات والرتابة، فالتقط النظام السياسي الإشارة، واستبق الأسوأ وانطلق مسلسل المشاورات لإجراء تعديلات دستورية كفيلة بتشكيل دعامة الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم أجريت انتخابات تشريعية سابقة لأوانها مسايرة للهفة الشارع المتطلع لتغيير ملموس، فتشكلت حكومة تجسد الإرادة الشعبية.

 غير ان خفوت صوت الشارع ودخول بلدان الثورة في دوامة اقتسام السلطة وتنازعها بين مختلف التشكيلات السياسية مع إفراغ بعض الهبات الشعبية من مضمونها بالالتفاف عليها(اليمن نموذجا)، ومراوحة ثورات أخرى لمكانها في استهتار دولي مريع بحياة الناس كما يحدث في سوريا.

كل ذلك بدأ يرخي بظلاله على الحالة المغربية التي تبدت فيها نزوعات النكوص والارتداد إلى وضع ما قبل الحراك، مما جعل السؤال الجوهري يعود بإلحاح أكبر: هل ترسخت إرادة الاصلاح فعليا لدى صانعي القرار؟ أم أن الاجراءات السالف ذكرها لم تكن أكثر من محاولة التكيف مع مستلزمات المرحلة الى حين اتضاح الأفق؟
لاشك أن هناك من آمن بإمكانية التغيير، وقد تابع المغاربة كيف حاولت الحكومة في بداية عملها إطلاق إشارات دالة في الاتجاه الصحيح، وسرعان ما ووجهت من لدن الحرس القديم الذي لم يتخل عن منطق خفض الرأس إلى حين مرور العاصفة .

لقد اعتبر الإعلان عن مالكي رخص النقل تشهيرا، فتم استباقيا وأد مشروع الكشف عن مُحتكري خيرات المغاربة وتعريتهم، وصورت محاولة تحرير الاعلام العمومي من سماسرة الرداءة والتسطيح نزوعا نحوأدلجة الاعلام، كما تم إطلاق سراح القاضي المتهم بالارتشاء وانطلقت محاكمة كاشفي نهب المال العام وتبديده، كما تم  تكثيف الضغوطات في اتجاه فرملة مسار محاكمة المسؤولين عن افساد تدبير المؤسسات العمومية و تبديد اموالها بدعوى الانتقائية وغيرها.

لقد آمن المغاربة طويلا بمقولة مفادها : “ليس من اليسير أن تُحدث تغييرا في المغرب”، وتظل مسؤوليتنا اليوم أن نخلص وعي الأجيال الحالية واللاحقة من الارتهان لهذه المقولة القاتلة، لأن مصادرة حق الأجيال في التوق الى التغيير يظل أخطر من عرقلة مسيرة التغيير.
إن اللحظة الحساسة التي نعيشها تستلزم من بين ما تستلزمه ما يلي :

–  ممارسة الحكومة لاختصاصاتها كاملة صونا للأمل والعمل على اقتحام حصون المحافظة و الرجعية السياسية لان ذلك يظل من صميم مسؤولياتها.
–  تكريس الفصل بين اختصاصات المؤسسات الدستورية و الحرص على عدم تداخلها سواء على مستوى الخطاب او الممارسة تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
–  تحمل الأحزاب السياسية الحقيقية لمسؤوليتها في إنجاح التغيير وتجنب فخ توظيفها في  الالتفاف على مطالب المغاربة المشروعة في الالتحاق بركب الديمقراطية الحقيقية لا الشكلية.
–  العمل على صيانة مناخ الاحتجاج السلمي الداعم لمسار الاصلاح، ومقاومة تحريف مسار الحركة الاحتجاجية لتوظيفها في تصفية الحسابات السياسية وإشباع الهواجس الانتخابية مما يفقدها المشروعية و التعاطف الشعبي.
–  تغليب المصلحة العليا للوطن والإيمان بان عمر الحكومات قصير ضمن الزمن السياسي الممتد، و بذلك تكون الاولوية لإرساء أسس الاختيار الديمقراطي الذي سيشكل دعامة الاصلاح للحكومات المتعاقبة ما دامت تعكس الارادة الحرة للمواطن.
– إفلات الوثيقة الدستورية من عقال الخطابة و التعويم والانتقائية ،وجعلها مرجعا حقيقيا للحكم من لدن كل المتدخلين في القرار السياسي.
–  إذكاء روح النضال الديمقراطي في كل وقت وحين ،وفي مختلف المواقع لان النضال لم يفقد يوما راهنيته ،مادام الاستبداد متعنتا و مادام الفساد عنيدا…. صونا للأمل من مبدديه.

‎* عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.