تأملات في " غزوة المحارب رقم 19 " : هل فهمنا الدرس ؟ وماذا نحن فاعلون لمقاومة التمظهرات العنيفة للعولمة ؟

الحبيب شوباني
الخميس, مارس 19, 2020 - 10:00
تأملات في " غزوة المحارب رقم 19 " : هل فهمنا الدرس ؟ وماذا نحن فاعلون لمقاومة التمظهرات العنيفة للعولمة ؟

 1- كلام عن الماضي

شيء طبيعي جدا أن يحدث الوباء العالمي " كورونا فيروس" زلزالا هز أركان الدول التي ضربها بشكل مباغت واجتاحتها تداعياته الصحية والاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مألوف ولا متوقع. وشيء طبيعي كذلك ، وفق سنن التاريخ ، أن تسترجع الدول والمجتمعات المبادرة للسيطرة تدريجيا على هذا الوباء والقضاء عليه من خلال تظافر جهود سياسات الصرامة الاستثنائية في الحجر الصحي الشامل على حركة الأفراد، وإنتاج وتسويق المختبرات العلمية للمصل المضاد له في أفق منظور ؛ وكلا المجهودين الشاقين من شأنهما خفض سرعة انتشار العدوى وتمكين المنظومات الصحية القائمة من التغلب على الوضع الوبائي - الذي سيلعب التغير المناخي للفصول أيضا وارتفاع درجة الحرارة ضد وتيرة انتشاره - لصالح جهود السيطرة والقضاء عليه.

في حالة وطننا المغرب، يتضح بجلاء أن سرعة بديهة مؤسسات الدولة، والتعلم السريع من تجارب الدول التي أخفقت في تدبير مرحلة الصدمة الأولى لانتشار الوباء، من شأنهما أن يجنبا بلدنا مصير البلدان التي دخلت مراحل أكثر تعقيدا في مواجهة هذا الفيروس، وهو ما يعني أن كلفة المواجهة لن تكون باهضة بحول الله ، وأن الخسائر في الأرواح كما في الحالة الصحية للاقتصاد وظروف عيش الساكنة خصوصا الهشة منها والفقيرة، سيتم تطويقها في "أخف الأضرار "، إذا ما تم تقيد المغاربة بالتدابير والسلوكيات التي توصي بها وتحرص عليها السلطات المختصة، وتم تفعيل التدابير الاجتماعية والزجرية بشكل فعال وحازم من طرف مؤسسات الدولة المختصة.
     
لا ننسى أيضا في سياق الحديث عن الماضي، أن قنوات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية واسعة الانتشار كونيا ، سلطة ديمقراطية حقيقية مكنت المواطن / الفرد من صناعة القرار أو التأثير فيه على العموم إيجابا، من خلال الاستيعاب السريع لخطورة الوضع والانخراط في عملية التحسيس والتوعية، وكذا الانضباط للتدابير التي اتخذتها الحكومة والمساهمة في إنجاحها بسرعة معتبرة. وهنا أيضا لابد من الإشادة بروح التضامن التي أبدع بها المغاربة، في مختلف الجهات وخارج الوطن ، نماذج مشرفة للروح الوطنية والإنسانية المتجذرة فيهم، في مجالات التكافل والتعاون والتحسيس والإيثار، غطت بشكل كبير على بعض التصرفات الأنانية والفردانية الجشعة المعزولة التي تمظهرت في بعض الأسواق ، وفي استثمار الأزمة للإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين من طرف بعض الوسطاء والمضاربين.

كل هذه الجهود والتضحيات وكلفة الخسائر والمخلفات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من التداعيات، ستصير بعد زمن لن يطول بحول الله، من الماضي ومدوناتِه التي تفرض على الجميع قراءة المقدمات التي أنتجتها، وتقييم نجاعة وكفاءة السياسات والمنظومات التي دبَّرتها، والخلاصات المطلوب البناء عليها لطي صفحة الماضي، والانطلاق نحو مواجهة تهديدات المستقبل الآتية حتما، بما يليق من الجاهزية والقوة والحزم.

 2- كلام في المستقبل*

أكد وباء كورونا أنه كما للعولمة وجوه إيجابية لا حصر لها في تبادل المنافع بين شعوب الأرض، لها أيضا صور لا حصر لها في تعميم وتقاسم الأضرار بين نفس الشعوب. وقد أرسل  وباء كورونا العالمي " كوفيد 19"  - كما تعيش اليوم على ايقاع تهديداته الجدية كافة الشعوب  - أول إنذار للبشرية جمعاء ، يتضمن رسالة واضحة مفادها ما يلي :  إن الحرب مع الفيروسات سِجالٌ ! وإن المحاربين من أبناء وأحفاد  أسرة الكورونا وقبيلتهم،  ومن في حكمهم من محاربي قبائل الكائنات الميكروبيولوجية المتخصصة في الحرب على بني الإنسان ، سيكونون  أشد فتكا وإيلاما من "المحارب رقم 19 " الذي ربما ستكون لائحة خسائره بشريا واقتصاديا مجرد حكايات مسلية ولعب أطفال..!!.

باختصار شديد، وارتباطا بما يتراءى في المستقبل من واقع ما حدث مع "المحارب رقم 19" من فصيلة الكورونا، يتأكد أن بلدنا المغرب - ونعني بذلك كافة مؤسسات السلطة المركزية، والجهات والجماعات الترابية الأخرى ، والأحزاب والنقابات والتنظيمات المهنية، ومؤسسات القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنون الأفراد.. - يجب أن يسائلوا ويراجعوا جذريا وعيهم الاستراتيجي بمخاطر العولمة، وأولويات السياسات العمومية، وبرامج الهيآت والتنظيمات المجتمعية ، ويتعاونوا على تقييم مدى جاهزية المواطنين والمواطنات  للتعاطي مع الكوارث بسكينة وهدوء، وكذا ضرورة الانكباب هلى تحيين  المفاهيم المرتبطة بالأمن الصحي والغذائي والتربوي وغيرهم من مشمولات " الأمن الوطني " بمختلف أبعاده  ، في أفق تحقيق ما يلي :

١- مراجعة الطابع الأولوي لجميع السياسات العمومية بما يجعل تأهيل المنظومة الصحية الوطنية بشريا وماديا وعلميا أولوية الأولويات الوطنية ، وإجراء مسح ومراجعة جذرية للمنظومة التشريعية والتدبيرية لجعل قطاع الصحة العمومية صرحا وطنيا يفتخر به المغاربة ودرعا واقيا من الحروب الوبائية القادمة التي لا مفر منها.
 
٢- اعتبار البحث العلمي بشكل عام ، والبحث العلمي في المجال الطبي ومكافحة الأوبئة بشكل خاص، أولوية وطنية باستثمار خبرة العقول المغربية النابغة والكثيرة بحمد الله ، من الخبراء والباحثين وشركات القطاع الخاص، بما يجعل منظومة البحث في هذا المجال ذات قدرة تنافسية عالمية، حتى لا يظل الوطن واقفا في طابور الدول المتخلفة علميا ينتظر من يبيعه علاجا بالثمن الذي يشاء وقت ما يشاء ، لعله ينقذ به أرواح مواطنيه إذا داهمهم الخطر !

٣- اعتبار إدارة المجتمعات المنظمة أقل كلفة ويسرا من إدارة المجتمعات المبعثرة خصوصا في أوقات مواجهة الأزمات والمخاطر. وهو ما يعني ضرورة الاستثمار في تدريب المواطنين وتكوينهم وتحسيسهم ، في مناخ من الحرية وتشجيع التنظيم الطوعي ، لمواجهة مخاطر انتشار الأوبئة، والكوارث بشكل عام ، واعتبار ذلك مسألة مصيرية ذات صلة بمستقبل السلم المجتمعي والتماسك الوطني. وهو ما يعني انخراط كافة مؤسسات الدولة ذات الخبرة والاختصاص ،بشراكة واسعة مع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لجعل المواطن المغربي صاحب جاهزية تطوعية مُقدَّرة في التعاطي مع الأوضاع الكارثية التي يمكن أن تداهم البلد حتى يكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة.

٤- مراجعة اختصاصات الجهات والجماعات الترابية الأخرى، بما يجعل الشراكة في مجال توفير وتجويد الخدمات الصحية أولوية ترابية ومحلية ؛ يدخل في ذلك بناء المؤسسات الصحية وتجهيزها وتكوين الموارد البشرية الطبية والتمريضية والتعاقد معها في مجال التشغيل. مع اعتماد مساطر ميسرة لجعل اعتماد هذه السياسات المحلية وتنفيذها مندرجة في صلب كافة المخططات التنموية الترابية وموضوع تتبع وتقييم ومحاسبة من طرف كافة الشركاء.

٥- إجراء مراجعة جذرية لمنظومة الرقابة الموجهة للحفاظ على " أمن القدرة الشرائية للمواطنين "، بتحيين كافة القوانين والتدابير والمؤسسات ذات الصلة بالمحافظة على هذه القدرة الشرائية، وتشديد الرقابة والعقوبات الزجرية على كافة حلقات وسلاسل الإنتاج وتموين الأسواق والمتاجر ، واعتماد تدابير حديثة وفعالة لتطهير هذا المجال من " فيروسات بعض الوسطاء" الذين يؤزمون الأوضاع ويستثمرون في الأزمات وحاجة وهلع المواطنين، ويصطفون إلى جانب الوباء لإنهاك الدولة والمجتمع على السواء .  

٦- مراجعة جذرية لمفاهيم وسياسات الأمن الغذائي باستحضار الاحتمالات القوية لحالات الحجر الصحي الشامل على الوطن بإغلاق الأجواء والمنافذ البرية والبحرية. إن هذا الاحتمال الخطير مستقبلا يفرض مراجعة منظومة الإنتاج الفلاحي والصناعي والتجاري الوطني، بما يؤهل الوطن للصمود في الظروف الصعبة والحرجة وتوفير الغذاء والدواء ومقومات العيش الضرورية للشعب ، شهورا متطاولة، بما تنتجه عقول وسواعد أبنائه وبناته برا وبحرا .

٧- مراجعة جذرية لمنظومة التربية والتكوين في مختلف مستوياتها بجعل "التعليم عن بعد" وضعا طبيعيا وعاديا في القسم الأكبر من مراحل وطبقات المنظومة . إن من شأن بلوغ النجاح في هذا المضمار،  تحقيق التناغم السريع مع الوضعيات الوبائية الشاملة التي تفرض حجرا صحيا شاملا وسريعا يجب أن يبدأ فورا بالناقلين الأكثر خطورة ( التلاميذ والطلبة ). إن هذه المراجعة تقتضي إعادة النظر في أولويات الاستثمار والتكوين في هذا المجال لتحقيق جاهزية التطويق الفوري لمنظومة التربية والتكوين وشل قدرة الوباء لاختراقها وتوظيفها في حربه ضد باقي مكونات المجتمع.

بكلمة، إن العولمة ليست خيرا كلها كما أنها ليست شرا كلها. غير أن وباء كورونا العالمي، الذي ضرب البشرية في 2019 ووسم هذه السنة بوسمه  الخاص " كوفيد 19 " ، وجه إنذارا  واضحا للجميع، يؤكد من خلاله أن الحروب الوبائية الأعنف آتية لا ريب فيها ، وأن معاركها ومخاطرها على الدول والشعوب قول فصل لا هزل فيه.
 
 بناء عليه، ورغم أن العالم سيشن حربا عالمية متضامنة ضد هذا الفيروس العالمي، فإنه لا عذر للدول والحكومات وكافة التنظيمات المجتمعية أن  تفكر في المصير الخاص وتنتج الجواب الوطني المستقل المبني على استيعاب دروس "المحارب رقم 19 " ! ولا خيار لها سوى أن تستعد بحزم ومسؤولية لسلالته ونسله ..بما يحفظ سلالة ونسل شعوبها من خسارة الحروب القادمة..التي قد تكون حروبا وبائية حالقة ، أو أزمات اقتصادية خانقة، أو غزوات كونية ذات عناوين أخرى متوقعة أو غامضة، من جنس وطبيعة هذه العولمة الحبلى بالمفاجآت والتحديات والمخاطر !

التعليقات

أضف تعليقك