ما العمل إذا استحال على المدين الوفاء بالتزاماته بسبب جائحة كورونا؟

ما العمل إذا استحال على المدين الوفاء بالتزاماته بسبب جائحة كورونا؟
الأربعاء, 3. يونيو 2020 - 23:56
عبد المجيد أسحنون

من المؤكد أن لجائحة كورونا، تأثيرات على الالتزامات التعاقدية ببلدنا، والتي تؤدي إلى تعطل مبتغى الأطراف، بسبب عدم قدرة المدين على الوفاء بالتزاماته، في مجالات متعددة، منها "الكراء"، "عقود القرض"، "الصفقات العمومية"، "الكراء التجاري والمهني". مما يجعلنا نتساءل ماذا يجب أن يفعل المتضرر من اختلال التوازن الاقتصادي للعقد؟ وكيف يمكن للمدين إثبات عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته؟ وهل يمكن للدائن الاستفادة من التعويض من الضرر الذي لحقه؟.

المحامي بهيئة الدار البيضاء الحسن السني، أجاب بشكل مفصل على كل هذه الأسئلة خلال ندوة علمية بعنوان "تأثيرات كوفيد 19 المستجد على قانون الشغل والالتزامات التعاقدية والمقاولات الاقتصادية في وضعية صعبة"، نظمتها الشركة المدنية المهنية للمحاماة " كوسطاس"، ليلة الإثنين 1 يونيو 2020.

تعريف العقد

أفاد السني، أن المشرع المغربي لم يعرف العقد، وإنما أشار إلى مبدأين أساسيين ينظمان التعاقد في المجال القانوني المغربي، هما "العقد خاضع لسلطان الإرادة"، و"العقد هو تطابق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني"، قائلا "إذن الأطراف عندما يقدمون على إبرام العقود، فإن ذلك يكون من أجل الحصول على الآثار القانونية المرغوب فيها. فكل العقود على اختلاف أنواعها يترتب عنها أثر قانوني يعد مبتغى الأطراف".

 تعطل الأثر القانوني

وتابع السني، أن الحالة التي لدينا اليوم، في ظل أزمة جائحة كوفيد 19، أن هذا الأثر القانوني قد يتعطل في بعض العقود، وبالتالي التوازن الاقتصادي للعقد يختل، موضحا أنه في الحالة العادية عندما يختل التوازن الاقتصادي للعقد، فإن الطرف المتضرر بإمكانه اللجوء إلى القضاء، للمطالبة بالتنفيذ الجبري للعقد، والتعويض فوق ذلك، لكن حين نتحدث عن ظرف خارجي حال دون الوفاء بالالتزام، فهنا يجب أن ندقق من خلال ثلاثة عناصر أساسية.

أول هذه العناصر يسترسل السني، هو "القوة القاهرة"، ثانيها هو "النصوص الخاصة التي تنظم مثل هذه الحالات"، وثالثها هو "الظروف الطارئة التي تغير المراكز القانونية للأطراف"، متسائلا: هل جائحة كوفيد 19 بمثابة قوة قاهرة؟.

وقال جوابا على سؤاله: "حين نعود إلى تعريف القوة القاهرة في القانون المغربي من خلال الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود، نجده بأنه يعرفها، "بكل الظروف الطبيعية أو فعل سلطة أو أي فعل خارجي، تحول دون إمكانية الوفاء بالالتزام، أي تجعل الوفاء بالالتزام مستحيلا"، مبينا أنه "من هنا يظهر أن جائحة كوفيد 19 تنطبق تماما على هذا التعريف، لأنها ظرف طبيعي حال دون تنفيذ مجموعة من العقود".

تواريخ هامة

ونبه المتحدث ذاته، إلى أن جائحة فيروس كورونا، ترتب عنها حالتين من "القوة القاهرة"، الحالة الأولى هي الظرف الطبيعي الذي تمثل في انتشار فيروس كورونا، والحالة الثانية المتمثلة في أفعال السلطة الناتجة عن الحالة الأولى،  مضيفا أن هذا سينفعنا لمعرفة التاريخ الذي ينبغي اعتماده في الدفع ب"القوة القاهرة".

وزاد السني، موضحا، أنه بخصوص "الظرف الطبيعي الذي نتجت عنه القوة القاهرة"، نتحدث هنا بدءا من تاريخ اكتشاف فيروس كورونا في الصين، أو من نهاية دجنبر 2019، أو بعد الإعلان عليه كوباء عالمي من طرف منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020، أي أنه بعد هذين التاريخين يمكن للمدين الذي استحال عليه الوفاء بالتزاماته نتيجة انتشار هذا الوباء، أن يدفع بالقوة القاهرة الطبيعية المستمدة، من الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود.

أما القوة القاهرة المستندة إلى فعل السلطة، يردف السني، هذه لا يمكن الدفع بها إلا بعد 16 مارس 2020، بالنسبة لحالتنا في المغرب، لأنه ابتداء من هذا التاريخ أعلنت وزارة الداخلية في بلاغها الأول، أن مجموعة من المحلات والأنشطة سوف تتوقف، منها المطاعم والمقاهي والصالات الرياضية والمسارح والسينما إلى آخره.

التاريخ الثاني، الذي يجب التركيز عليه، حسب السني، هو 18 مارس 2020، الذي أصدرت فيه وزارة الداخلية البلاغ الثاني المشترك بينها وبين وزارة التجارة، والذي حصر مجموعة الأنشطة التي يجب أن تستمر، رغم حالات الحجر الصحي، أما التاريخ الثالث الذي يجب التركيز عليه هو 24 مارس 2020، "أي دخول مرسوم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية حيز التنفيذ، والذي يشمل جميع الأنشطة والمجالات، باستثناء الأنشطة التي حددها البلاغ الثاني المذكور".

وخلص إلى أننا أمام ثلاثة أنشطة معنية بالقوة القاهرة، النوع الأول هو الذي تم منعه مباشرة، من قبيل قاعات السينما، القاعات الرياضية، والمقاهي، والنوع الثاني من الأنشطة على خلاف الأنشطة الأولى تماما، حيث أمرت السلطة بضرورة استمراريتها، وهي غير معنية بالقوة القاهرة خلال أزمة جائحة كورونا، أما النوع الثالث من الأنشطة هو الذي لم يذكر لا في البلاغ الأول ولا في البلاغ الثاني، "فهي تقع تحت طائلة عموم الأنشطة التي شملتها حالة الطوارئ الصحية، والتي تقتضي الاستدلال بالعلاقة السببية بين عدم القدرة على الوفاء بالالتزام، وبين انتشار فيروس كورونا".

الاستدلال بالقوة القاهرة

الاستدلال بالقوة القاهرة، يؤكد السني، يعد من العناصر الخاضعة للسلطة التقديرية للمحكمة، أي أن "إثارتها تبقى رهينة بوقائع كل ملف على حدة. والمحكمة لها السلطة التقديرية في إقرارها أو عدم الأخذ بها في كل حالة على حدة".

وبين أنه يقع عبء إثبات القوة القاهرة على المدعي بوجودها، بمعنى أن المدين الذي عجز عن أو استحال عليه الوفاء بالتزامه، والذي يواجه دعوى الأداء من طرف الدائن، هو الذي عليه إثبات وجود حالة القوة القاهرة، "ويمكن للمحكمة من تلقاء نفسها أن تثير هذه القوة القاهرة، ما دامت صادرة في قانون منشور وملزم لها وللأطراف".

آثار القوة القاهرة

إذا توفرت القوة القاهرة في نازلة ما، ينتج عنها في مجال الالتزامات التعاقدية، حسب السني، نوعين من الآثار، "القوة القاهرة التي تحول إطلاقا دون الوفاء بالالتزام بصفة نهائية، يترتب عنها في هذه الحالة فسخ العقد وإرجاع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، بمعنى أن الدائن إذا أدى مقابلا في انتظار وفاء المدين بالتزامه،  لكن استحال على المدين أن يوفي بالتزامه، على المدين أن يرد إلى الدائن المبلغ المتسلم منه دون التعويض، لأن الفصل 262 من قانون الالتزامات والعقود، يعفي المدين من التعويض، ولكن لا يعفيه من رد ما تسلمه من الدائن، لأنه سيصبح في هذه الحالة إثراء دون سبب".

وأردف، أما النوع الثاني لآثار القوة القاهرة، هي "الاستحالة المؤقتة"، مفيدا أن الفصل 268 من قانون الالتزامات والعقود، نص على عدم الوفاء بالالتزام أو التأخر فيه، أي الاستحالة المؤقتة، التي تستمر فقط لمدة من الزمن، وأضاف أن الأطراف في هذه الحالة يمكن أن يستأنفوا نشاطهم وتعاقدهم مباشرة بعد انتهاء حالة الطوارئ الصحية، وانتهاء أثر جائحة كورونا. وأشار إلى أن التأخر في التنفيذ، لن يترتب عنه أي تعويض من طرف المدين لأنه كان بسبب خارج عن إرادته، تمثل في قرارات السلطة العمومية.

الكراء السكني

ومن المجالات التي ستعرف عدم قدرة المدين على الوفاء بالتزاماته، بسبب القرارات التي اتخذتها السلطات العمومية، لمحاصرة تفشي وباء كورونا المستجد، "الكراء"، "عقود القرض"، "الصفقات العمومية"، "الكراء التجاري والمهني".

وبخصوص "الكراء السكني"، قال السني، "نحن أمام واقع أن المكتري (المدين) ملزم بعدم مغادرة بيته، وفقد جميع موارده، وعاجز عن أداء كراء المحل السكني، مع أن الاستفادة ما زالت مستمرة، لأن المكتري ما زال منتفعا بالعين المكتراة، ولكنه عاجز عن أداء مقابل الكراء، هذه الصورة تنطبق عليها حالة القوة القاهرة، المتمثلة في التأخر في الوفاء بالالتزام، حيث إنه لا يمانع عن الأداء، ولكنه يثير عدم قدرته على الوفاء حالا ومستقبلا.

ويرى السني، أنه عندما تنتهي آثار الوباء يمكن للمكتري تدارك ما ترتب عليه من واجبات الكراء، مؤكدا أن هذا هو الحل الوحيد الذي يوجد أمام المكري، لأنه لن يستطيع اللجوء إلى "مسطرة الإفراغ" إلا إذا توفر عنصر التماطل الذي عرفه قانون الالتزامات والعقود بأنه "كل تأخير عن الوفاء بالالتزام من غير سبب مقبول"، وبالتالي لا يمكن للمكري إلا أن يطالب باستيفاء الواجبات الكرائية، بعد انتهاء آثار حالة الطوارئ الصحية.

الكراء المهني والتجاري

أما بالنسبة "للكراء المهني والتجاري"، يستطرد السني، نحن أمام "عدم الانتفاع"، مثلا المقاهي أو مطاعم نحن أمام واقعة عدم انتفاع المكتري بالعين المكتراة، بسبب فعل السلطة التي منعت استمرار هذه الأنشطة، وأمرت بتوقفها، نتج عنها توقف انتفاع المكتري من العين المكتراة، و"لم نصل بعد إلى القوة القاهرة التي تقتضي أن يكون الدائن وفى بالتزاماته أو المدين هو الملزم بالوفاء أولا، نحن في هذه الصورة، إزاء عدم اكتمال الالتزامات المرتبة على عاتق المكري، لأن الانتفاع غير متحقق، نظرا طبعا ليس لخطأ الدائن، ولكن النتيجة واحدة، المدين لم ينتفع بالعين المكتراة".

ويرى السني، أننا في هذه الحالة، أمام ترجيح مصلحتين، إما مصلحة المكتري ونقول  بعدم وجوب أداء الكراء، أو مصلحة المكري ونلزم المكتري بالأداء رغم أنه لم ينتفع بالعين المكراة.

حل الواقعة

وفي حل للواقعة المرتبطة ب"الكراء المهني والتجاري"، قال السني، إنه من الممكن أن نتلمس حل هذه الواقعة من خلال نصوص قانونية محددة، نشير إلى الفصل 652 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أن المنع من الانتفاع الناتج عن عمل السلطة (الإدارة العامة)، حيث إنه عندما يترتب نقص كبير في انتفاع المكتري من العين المكتراة، فإن من حقه المطالبة بإنقاص ثمن الكراء. أكثر من ذلك الفصل 667 الذي يلزم المكتري بأداء واجبات الكراء في جميع الأحوال التي يكون فيها المكري قد وضع فيها المحل رهن المكتري، يجب أن يؤدي الكراء ولو لم ينتفع به، لكن إذا كان عدم الانتفاع ناتجا عن خطئه، أو بسبب يرجع إلى شخصه".

إذن بمفهوم المخالفة، يضيف السني، إذا كان سبب عدم الانتفاع غير ناتج عن خطأ المكتري، ولا عن شخصه، فبالتالي هنا يمكن أن نفهم أنه غير ملزم بأداء واجبات الكراء، وهذا ما أقره المشرع أيضا فيما يتعلق بالفصول الموالية المتعلقة بكراء الأراضي الفلاحية، في الفصلين 709، 710، التي نجد فيها وضوح المشرع، حيث أنه عندما يمنع المكتري من الانتفاع بالعين المكتراة، فإنه يعفى من أداء الكراء تماما.

 

التعليقات

أضف تعليقك