الرحموني يكتب: حين يستيقظ التنين الصيني

‪
‬نظرات في نموذج نهضوي مؤسس على ثلاثية: الانفتاح والإصلاح والاستقرار…
على هامش لقاء عابر، مع وفد صيني رفيع المستوى زائر للمغرب

‪
‬خالد رحموني‪ ‬
يبدو  لي أن الغرب، بجناحيه الأوروبي والأميركي- والذي يمثل مرجعا نهائيا لبعض النخب فينا، في مستوى استلهام نماذجه الفكرية والسياسية والاقتصادية وتجاربه في التنمية والبناء الاقتصادي وحتى المجتمعي – أقول إن الغرب ما زال أسير مقولة سياسية وفكرية، سرعان ما استوطنت في لا وعيه الجمعي والعقل السياسي لقادته – سلف لبعض من كبرائه في تاريخ عابر مضى -أن صاغها وهجس بها، تقول العبارة: إذا استيقظت الصين، اهتز العالم

1-العالم حين يكون فسيحا لا مسطحا:
في نقد تبخيس التجربة الصينية، وعلى غرار ما حدث مع تجربة التحديث والنهضة اليابانية، من تناول مبتسر، لها ومن تعاطي تبسيطي عابر وغير منصف ولا موضوعي مع رصيدها وميزاتها، فإننا بنفس الدرجة بل أكثر، قلما نجد كتابا أو دراسة عن الصين ونموذجها الناهض، لا يتضمن كمّاً هائلاً من المغالطات والانتقادات السلبية غير الدقيقة، والملاحظات الاستدراكية التي تحيل على نقائص وعورات التجربة الصينية في النهوض والاصلاح والاقلاع، من دون ذكر آفاقها الواعدة وملامحها الفريدة وتميزها في الانبعاث والنهوض، خصوصا لنا كبلد يتلمس طريقه في الاصلاح والنهوض والتنمية المستقلة والبناء السياسي والاقتصادي.

 إن مجمل ذلك التناول المتحيز وغير المنصف قد يخلق لنخبنا ولنا أيضا تشويشا على مجمل أداء الدولة العظمى الثانية في العالم الاقتصادي الدولي على الأقل، وإرباكا معرفيا لا يساهم في صياغة إدراكنا الموضوعي والعلمي لأسباب عميقة لتألق الصين في العالم، حيث أصبح القرن الواحد والعشرون قرنا أسيويا بامتياز، بل وصينيا على وجه التحديد‪ .‬
أما التلميح للإيجابيات ومزايا النموذج، في حال الإشارة إليها، فغالبا ما تأتي وترد نتيجة للاقتباس من الغرب وأثرا من الاستلهام الفكري والفلسفي والسياسي والاقتصادي عنه أيضا، ومحاولة التشبه به والاحتداء حذوه -على طريقة تشبه المغلوب بالغالب وفق مقولة ابن خلدون الاثيرة والشهيرة – هكذا عل الاقل تنظر كثير من التنظيرات والمشاهدات وخلاصة الرحلات من قبل بعض المثقفين وجزء من النخب المغربة والمأمركة، والتي تريد بناء عالم مسطح لا تضاريس فيه حضارية، ولا نماذج مختلفة ومتمايزة عن التجربة الغربية والامريكية على وجه التحديد يمكن دراستها والاعتبار بها، لأن مقاييسها منمطة ومقولبة ولها أحكام جاهزة واختزالية في رؤية العالم من حولها‪.‬
في هذا السياق التحليلي والنقدي فقط، تندرج محاولات بعض من المؤرخين والنقاد المعاصرين وفي طليعتهم الباحث كارل غيرث من خلال كتابه الصادر حديثاً، بعنوان: على خطى الصين يسير العالم‪ .‬
وعلى رغم المعلومات الكثيرة والمعطيات الكثيفة التي تضمنها هذا السفر، فهو يجانب الموضوعية في مواطن كثيرة عند تقويمه لتجربة التحديث الصينية، ويبخسها كما تم بخس التجربة اليابانية بل وأكثر

2-  عود على بدأ: تجربة الإصلاح والانفتاح في الصين، نموذج بملامح صينية..
انطلقت هذه التجربة التنموية والنهضوية المميزة في الصين الشعبية، بعد تبني قادتها لسياسة الإصلاح والانفتاح انطلاقا من عام 1978، وتدرجها بخطى متصاعدة ووئيدة وهادئة، وبنسبة نمو سنوي هي الأعلى في العالم طوال أكثر من ربع قرن، لكي تكتمل معالم نموذجها الفريد في التنمية والاقلاع المبني على ثلاثية: الإصلاح والانفتاح والاستقرار‪ .‬
دلالة ذلك الانطلاق الباهر، أن هناك قوى بشرية وعلمية وفكرية وسياسية صينية عليمة وكفئة ومدربة ولها إرادة فولاذية تطلعا للنجاح والتميز والتفرد، كانت تخطط بدقة لإدارة بلد واحداث نقلة بعيدة فيه، بلد تبلغ مساحته أكثر من تسعة ملايين كلم مربع، ويزيد عدد سكانه على المليار وثلاثمئة وأربعين مليون نسمة، يتوزعون على ست وخمسين قومية‪. ‬
لقد حملت عناوين كتاب على خطى الصين يسير العالم المشار إليه سابقا، إشارات ذات دلالة بالغة الاهمية والرمزية‪ :‬
فلا عودة إلى الوراء، ومن يحصل على ماذا، وصنع في تايوان، وجعل الوفرة هي القاعدة، والتمييز التجاري للوعي الاستهلاكي، والحياة وسط عالم من المنتجات المقلدة، وأسواق متطرفة، والآثار البيئية، وبقعة الحبر الصينية‪. ‬
ربما تلك الإلماحات تكون قد لخصت مكونات النموذج ومفاصله، وقد سبق أن أشرنا الى بعضها في دراسة سابقة‪ .


3-  أخطار النزعة الاستهلاكية: جدل الندرة ووفرة الإنتاج
شددت موضوعات الكتاب السالف الذكر على دور الاستهلاك وأخطار المجتمع الاستهلاكي، مع إشارات إلى الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في عام 1978 وما زالت مستمرة حتى الآن‪.‬
وتم التركيز على دور تايوان وكوريا الجنوبية في تشكيل النزعة الاستهلاكية لدى الصينيين في مجالات الثقافة والفنون والسينما‪.‬
وأجرى المؤلف مقارنة بين نسب الاستهلاك في الصين ومثيلاتها في الولايات المتحدة الأميركية. فبلغ إجمالي الإنفاق الاستهلاك الصيني ما يعادل اليوم قرابة أربعة ترليونات دولار أميركي‪ . 
‬ومع أنه ما زال أقل من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة الأميركية، فإنه فاق الإنفاق الياباني، واقترب من الإنفاق الاستهلاكي الأوروبي‪. ‬
أما أدوات القياس لتحديد معايير الاستهلاك فتتبدل من مرحلة إلى أخرى. فكانت الرموز الأربعة للمكانة الاجتماعية في عهد الرئيس ماو: الدراجات، ساعات اليد، آلات الخياطة وأجهزة الراديو‪.
‬ثم أصبحت الرموز الستة في عهد الإصلاح والانفتاح وهي: الفيديو، أجهزة التلفزيون، الغسالات، الكاميرات، البرادات والمراوح الكهربائية. وهي اليوم: الهواتف الجوالة، الكومبيوتر، التلفزيون، استهلاك المشروبات الغازية، سلسلة المتاجر، عدد مطاعم الوجبات السريعة، أسابيع العطل، مستحضرات التجميل، الاعتناء بالذات، السيارات، السياحة، تملك تكنولوجيا المعلومات، المساكن، شراء العقارات وكثير غيرها. ثم أصبحت بعد عام 2000 إحدى عشرة سلعة هي: مكيفات الهواء، الكومبيوتر الشخصي، الهواتف الجوالة، التلفزيون الملون، أفران المايكروويف، الدراجات النارية، الشقة السكنية بأجهزتها الحديثة، السياحة الداخلية والخارجية، العطور والسلع الفاخرة‪.‬
لعل أبرز عواقب النزعة الاستهلاكية: انبعاثات الغاز الدفيئة، الأطعمة الملوثة، تزوير السلع العالمية، الأدوية الفاسدة، زيادة التلوث، كثرة النفايات، التفاوت الاجتماعي والمناطقي، البدانة، البحث المحموم عن المال، بروز طبقة الأثرياء الجدد ونماذج لحياة سيئة السمعة، وتبدل في السلوكيات، وغيرها‪. ‬
بات السواح الصينيون بعد عام 2005 من أكبر المنفقين بين الجنسيات الأخرى في العالم، مع بروز أصحاب الملايين من الدولارات، وأصحاب المليارات والسيارات الفخمة جداً، والقصور المترفة، وتفضيل الماركات العالمية على السلع الصينية، انتشار أندية الغولف على نطاق واسع، المنتجعات السياحية الخاصة بأعضاء النوادي الأغنياء، والموسيقى الشعبية الاستهلاكية‪. 
‬

4- في بعض أسباب النمو والتقدم الاقتصادي‪ ‬
يمكن تفسير بروز هذه النزعة الاستهلاكية المتوازنة في عدة أسباب من بينها‪:‬ انتقال الصين من مجتمع النذرة وغياب السلع إلى مجتمع الوفرة والاستهلاك، ومن المجتمع الشيوعي المتزمت المنغلق زمن ماو تسي تونغ إلى المجتمع الإصلاحي المنفتح، وإلى انضمام الصين إلى منظمة التجارة الدولية، وتلبية مطالب كل أنواع الحياة الاستهلاكية الحديثة، وكثرة الوفود الصينية السياحية إلى الخارج، والى ترسيخ قيم اقتصاد السوق.. إننا لا يمكن أن نباشر نقد مقولة نموذج الاشتراكية بملامح صينية من دون فحص نتائجها على مجمل النموذج التنموي وفعاليته على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي. ولا يمكن اختزال تلك التجربة في النهوض والاقلاع بمقولات تبسيطية من قبيل الاندراج في اقتصاد السوق الرأسمالي ونهج الخوصصة والتلائم مع الرأسمالية، بل لابد من استحضار الخصائص الصينية لحظة تقييمنا لمجمل التجربة وللنسق بكليته،‪ ‬وعلى سبيل المثال ففي ميدان التجارة الخارجية، فإن الصين أبقت جميع الأبواب مشرعة أمام الرساميل الخارجية الوفيرة التي تقدم سلعاً استهلاكية متنوعة وعالية الثمن، وتمضي في سبيل خوض منافسة ضارية وشرسة في ما بين قوى السوق التجارية الدولية للوصول إلى المستهلكين الصينيين وغير الصينيين‪. ‬
ويمكن اعتبار الدور المركزي للدولة الصينية في التقدم، والتي حرصت على توسيع دائرة الطبقة الوسطى لزيادة الاستهلاك على امتداد العقود السابقة من الانتقال والتنمية‪.‬ فهي تشجع الإنفاق الاستهلاكي، وتحضّ المواطنين على تجاوز ذهنية الادخار الموروثة، وتروج عبر وسائل الإعلام لمقولة الاستهلاك الذي يساعد على التنمية الداخلية والنمو الاقتصادي، وتدعو المستهلك الصيني إلى التشبه بباقي المستهلكين في الدول الأوروبية وبخاصة في الولايات المتحدة‪. 
‬في المقابل، أبقت عمداً على اليد العاملة الرخيصة التي عليها أن تعيش في مجتمع يميل بشدة إلى الاستهلاك الواسع، والاقتراض الكثيف لتلبية النزعة الاستهلاكية المتزايدة بعد اتساع كبير للطبقة الوسطى الصينية التي تجاوزت النصف مليار نسمة‪.

 ‬
5-التكيف الذكي والمرن مع نتائج الازمة المالية والاقتصادية للنموذج الرأسمالي‪ ‬
عند انفجار أزمة الرأسمالية العالمية المالية عام 2008، دعت الحكومة الصينيين إلى تحفير الاستهلاك المحلي والتشجيع على الإنفاق الكثيف لضمان مصالح الصين العليا والإبقاء على معدل مرتفع للنمو الاقتصادي‪ .
‬فأصبح المستهلكون الصينيون المحرك الجديد للطلب والنمو الاقتصاديين على المستوى العالمي. ويتوقع الباحثون في هذا النموذج التنموي الناهض أن ينقذ الاستهلاك الصيني الكثيف الاقتصاد العالمي من مخاطر الانهيار والتفكك.
وذلك يتطلب توجيه الصينيين لشراء السلع العالية التقنية والجودة التي توفرها لهم المنتجات الأميركية والأوروبية لأن شراءها يوفر فرص عمل على المستوى الكوني، ويخلق نمواً اقتصادياً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الرأسمالية والتابعة لها‪ .‬
وقد توصل بعض من أولئك الباحثين إلى استنتاج غريب، مفاده أن العمل على توليد صين مستقرة وأكثر رأسمالية وديموقراطية يستوجب المزيد من الاستهلاك الصيني لأنه دواء عام ناجع لكل أوجاع الاقتصاديات الكبرى في العالم‪ . ‬
وبالتالي، يمكن الصين أن تنقذ العالم من خلال استهلاكها السلع بمعدل أسرع، ما يساعد على تحويل الحشود الثورية الناشطة في عهد الرئيس ماو تسي تونغ إلى منتجين في سوق العمل ومستهلكين في عالم الانجاز الاقتصادي والصناعي والفلاحي من الطراز الاول لكنهم يظلون عديمي الفاعلية سياسياً فاقدي المبادرة المنفلتة من التوجيه المركزي للدولة اجتماعيا في عهد الإصلاح والتغيير‪. ‬
إن الصينيين آخذون فعلاً في الايغال في النموذج الاستهلاكي الاقتصادي، ومن التركيب الخلاق بين الاقتصاد الموجه واقتصاد السوق مع الحفاظ على نمطهم الفريد في التنمية، من خلال التمرس على تعلم إنتاج المزيد من مصادر الثروة مع الحرص على استهلاك المنتجات وشراء المزيد من السلع‪ .‬
وأن الاقتراض المتزايد يغير بسرعة ثقافة الادخار الصينية القديمة. وأن إعطاء المزيد من القروض يحول الصينيين إلى عبيد للقروض. لذلك، تشجع الحكومة الصينية السياحة الداخلية والخارجية من خلال الإنفاق في العطل الرسمية المتزايدة بصفته عملاً وطنياً يخلق صناعة سياحية مهمة داخل الصين وخارجها‪ .


6- من النذرة الى الوفرة‪ ‬
لقد شهد المجتمع الصيني تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وتبدلات كبيرة وقوية على المستوى الاقتصادي خلال العقود الثلاثة الماضية من مرحلة الإصلاح والانفتاح. فانتقل من زمن النذرة والخصاص إلى زمن الوفرة وهاجس امتلاك السلع ذات الشهرة العالمية المنافسة لمثيلاتها في السوق العالمية‪ . ‬
ومع أن الحكومة الصينية والشعب الصيني يدركان أخطار النزعة الاستهلاكية ويعملان على لجم الآثار السلبية للنزعة الاستهلاكية المنفلتة من عقال جميع الضوابط الثقافية التقليدية، فإن المستهلك الصيني اتبع خطى المستهلك الأميركي‪.

 ‬
7-  ختاماً‪:
‬دعوة للتأمل العلمي الهادئ في تجربة الاصلاح والانفتاح‪ ‬إن مضمون هذه الاشارات السابقة قد يوحي للبعض وكأن الصين تقود العالم نحو الأفضل فإذا بها تقود شعبها نحو التنميط وعدم التفرد على المستوى الكوني‪ . ‬
وهو لا يعبّر بالحد الأدنى وبشكل غير صادق وموضوعي عن حقيقة ما يجري في الصين . لا بل إن بعضا من تلك الصورة النمطية عن الصين، يندرج في إطار الحملات الدعائية المضادة الرخيصة، التي تنطلق من انطباعات شخصية معزولة أو تعبّر عن مواقف أيديولوجية وسياسية زائفة، سواء مدحت تجربة الصين أو أمعنت في هجائها‪. ‬
لا بد من دراسة تجربة التحديث الصينية بصورة موضوعية، وتجرد علمي، لإظهار كامل إيجابياتها للإفادة منها واستلهامها والعمل أيضا على كشف سلبياتها لتجنب اعادة انتاجها ونحن نبني نموذجنا التنموي ونتلمس طريقنا في سبيل النهوض المجتمعي والاقلاع التنموي‪ .‬
فالمعرفة العلمية الرصينة، المبنية على العلم والاكتشاف والنقد والاستلهام والاستيعاب والاقتباس إن لزم الأمر، تقدم فوائد بالجملة للتجارب التنموية الناهضة بعد موجة الربيع الديمقراطي وبالخصوص لنموذجنا المغربي الذي ارتضى لنفسه سلك سبيل الاصلاح في إطار الاستقرار ونحث تجربة في الاصلاح السياسي والبناء التنموي مميزة تحافظ هي أيضا على خصائصنا وملامحنا الحضارية والمجتمعية، أما الانطباعات المتسرعة والنظرات الشاردة والمبنية على الأيديولوجيا الكسولة أو الانطباعات الشخصية غير الموضوعية، فإنها تحمل القليل من المعطيات العلمية الدقيقة، والكثير من المبالغة والزيف المعرفي والادعاء العلمي‪ .‬
فلنتواضع ولنتصدى لدراسة منصفة للنموذج ونستلهم منه، قياسا على الأثر: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، واطلبوا النهضة ولو من الصين.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.