ماذا تعني الحرب بالصحراء؟

ماذا تعني الحرب بالصحراء؟
الخميس, 19. نوفمبر 2020 - 12:47

اليوم وبعد أن مر ما يكفي من الوقت على التدخل المغربي الناجع والحاسم في الكركرات، ورد الأمور إلى نصابها واستعادة الهدوء في هذا المعبر الحيوي وعودة الحركة التجارية إلي وضعها الطبيعي، اتضح للجميع أن الطرف الآخر أي البوليساريو يقامر بالوضع في المنطقة، وينتج ما يكفي لإقامة الدليل على عدم مسؤوليته، وأنه يشتغل بمنطق العصابة المتحللة من كل مسؤولية قانونية وأخلاقية، ويساهم من حيث لا يدري في تعرية نفسه وكشف زور ادعائه أنه دولة ولو وهما وتخيلا، فبمجرد أن تمت عملية تحرير المعبر، سارعت قيادة البوليساريو إلى إعلان تحللها من الالتزام بمقتضيات اتفاق وقف إطلاق النار، والإعلان عن العودة الى الحرب، بالمقابل أعلن المغرب بكل وضوح تمسكه المبدئي باتفاق وقف إطلاق النار، معبرا بذلك عن نضج كبير في تحمل المسؤولية، والوعي العالي بمنطق الدولة التي تحترم نفسها والتزاماتها، الساعية الى تجنيب المنطقة ويلات جرها الى حرب ليست في صالح أبنائها ومستقبلهم، ولكن أيضا وكما جاء في بلاغ القصر الملكي عقب المحادثة الهاتفية بين جلالة الملك والأمين العام للأمم المتحدة غوتريش، فإن "المغرب عازم تمام العزم على الرد، بأكبر قدر من الصرامة، وفي إطار الدفاع الشرعي، على أي تهديد لأمنه وطمأنينة مواطنيه"

 لقد اتضح جليا من يريد المقامرة بالمنطقة ومن لا تهمه في شيء سلامة وأرواح أبناء هذه الربوع الذين وجدوا أنفسهم رهائن حسابات سياسية تعود الى فترة الحرب الباردة التي لا تهمهم في شيء، وبالتالي الانكشاف الكامل أمام المنتظم الدولي في صدقية ادعائه السعي في إيجاد حل سلمي ترعاه الأمم المتحدة، فالذي يسعى في السلم لا يمكن بحال من الأحوال، أن يستمر في الاستفزاز والمسارعة عند كل فرصة بالتلويح بالعودة للحرب، وكأن الحرب نزهة قصيرة يمكن إعلان خوضها  من نشاء ونرضى بوقفها متى نريد، كما انكشفت بالكامل قدراته العسكرية المدعاة، فالعاجز عن مقاومة تدخل محدود في الزمان والمكان، فهو أعجز بكل تأكيد عن إدارة حرب الله وحده يعلم مداها ومستقرها.

الحرب لها كلفتها ونحن متأكدون بأن البوليساريو لا تملك قرار خوضها، وأن إعلانها الأخير بالعودة الى ما تسميه " الكفاح المسلح"، ليس إلا للاستهلاك الداخلي وتوجيه الداخل المحتقن نحو عدو خارجي لصرفه عن مطالبه  الاجتماعية والسياسية، وما يقع اليوم من مناوشات لا تعني بتاتا وجود إرادة حقيقية في دخول حرب مباشرة، أولا كما قلنا سابقا، هذا القرار لا تملكه الجبهة إنما هو في مربع راعيتها الأولى الجزائر، وكلنا نعلم أن الجزائر اليوم مشغولة في تدبير مآزقها التي تتناسل بشكل يجعلها غير قادرة على إضافة عبء الحرب إلى لائحة الأعباء الكبيرة التي تثقل كاهل الحاكمين الفعليين هناك وتلبد مستقبل استمرارهم في مواقعهم بكثير من الغيوم والشك، ثانيا سيكون من الوهم البين إن اعتقدت البوليساريو أن ميكانيزمات الحرب في الصحراء ما زالت على حالها إبان اندلاع النزاع منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت البوليساريو تحترف صيغة حرب العصابات في صحراء واسعة تعرف تفاصيلها بشكل جيد، اليوم تغيرت أصول اللعب مطلقا بعد بناء الجدار الأمني والحد من حركة المليشيات بشكل نهائي، أضف الى ذلك التفوق التكنولوجي البين للمغرب وقدرته على رصد أي تحرك في المنطقة عبر الأقمار الاصطناعية، مما يجعل الخصم مكشوفا  للغاية في صحراء لا توفر له أي فرصة للاختباء أو المناورة.

ورغم ذلك فإننا لا نريد حربا في المنطقة، بما يعنيه ذلك من تأبيد حالة البؤس لمن وجدوا أنفسهم رهائن بمخيمات الحمادة، فكلنا نتذكر تلك الافواج التي تم شحنها واختطافها من بيوتها ومساكنها سواء في الطانطان أو أقا وفم لحسن بإقليم طاطا وغيرها من المناطق التي استهدفتها عصابات البوليساريو بين 75 و ثمانينيات القرن الماضي، ووجدوا أنفسهم رهائن هناك بالمخيمات، كما أن الوطن لم يقطع الأمل نهائيا حتى في أولئك المغرر  بهم من ضحايا غسل الدماغ في كوبا وغيرها من أبناء عمومتنا في سياق الحرب الباردة، ولذلك تتخوف البوليساريو من كل تواصل اجتماعي يقع بين أبناء الرحم الواحدة، ولهذا السبب أوقفت برنامج الزيارات العائلية الذي ترعاه منظمة الأمم المتحدة بعد تكرار عملية رفض العودة الى المخيمات من العديد من المستفيدين من هذا البرنامج وتفضيلهم البقاء في وطنهم الام بالقرب من عائلاتهم وذويهم.

إن الحرب على هذا المستوى الإنساني تعمق الأزمة وتكرس جراحا يصعب اندمالها بين أبناء العمومة والرحم الواحدة،  فالضحايا في المحصلة هم أبناء هذا الوطن سواء كانوا من هذا الخندق أو ذاك، ولذلك لا معنى لبعض الخطابات المنفلتة التي تدق طبول الحرب وتنساق وراء عاطفة تتدثر بلباس الوطنية، فالوطنية الحقيقية هي التي عبر عنها صاحب الجلالة بكل وضوح، بتمسكه باتفاق وقف إطلاق النار مع الحزم اللازم والقوي في الرد على أي محاولة تستهدف المغرب في إطار الدفاع الشرعي، وكل الخطابات الأخرى وبغض النظر عن حسن النية عند أصحابها فإنها خارج السياق وبعيدة عن التوجهات الحقيقية للمغرب خلف القيادة السامية لجلالته.

التعليقات

أضف تعليقك