فساد السياسي والمسؤول في العالم العربي: بين دور القضاء ونضج المجتمع

ابراهيم شرفي*
الثلاثاء, مارس 2, 2021 - 11:30
فساد السياسي والمسؤول في العالم العربي: بين دور القضاء ونضج المجتمع

المال والسياسة
الدين والسياسة  
السلطة والسياسة ...
 أيها القارئ  هل تقبل بهذا القول:  الدول  العربية والاسلامية من أكثر دول العالم نزاهة و شفافية حيث تؤدى فيها الأدوار السياسية وأمانة المسؤولية على احسن نموذج وبشكل لا ينازع فيه أحد ....إلا المتحامل!
منذ ظهور الدولة العربية  المعاصرة وخاصة بعد "الاستقلال" تعاقبت على الدول والحكومات والوزارات والإدارات والمصالح رجال ونساء قلدوا مهام ادارة مصالح العباد والبلاد وهذا أمر طبيعي في تدبير الشأن  وهومن طبيعة الدولة حيث السلطة مصدر النظام  العام وهذا تتساوى فيه المجتمعات والدول.
وعندها  فإن:
السياسي المنتخب مسؤول ومحاسب أثناء وبعد مهامه...
الموظف الاداري مسؤول ومحاسب أثناء وبعد مهامه...
رئيس الدولة مسؤول ومحاسب أثناء وبعد مهامه ان  قدر له ان يترك السلطة يوما  ان لم يقتل أو ينقلب عليه...
الوزراء مسؤولون ومحاسبون أثناء وبعد مهامهم...
هكذا يجب أن تكون طبيعة كل مسؤولية عمومية، مبدأ الرقابة والمتابعة والمحاسبة. هي مجموعة مفاهيم "رزنامة" تدرس وتلقن في المعاهد والجامعات المتخصصة في الإدارة والمؤسسات العموميات وهي من صلب تحمل وأداء الأمانة.
هل يقبل العقل السليم أن يسلم بان الدولة العربية المعاصرة فضاء للمحاسبة والمحاكمة  وممارسة ما تقتضيه ضرورة الاخلاق السياسية ؟  بعبارات تساؤلية أخرى متى قدم الفضاء العربي صورة مثالية للاعتبار والقدوة في محاسبة ومحاكمة من تقلدوا مناصب ومهام تنفيذية أو تشريعية أو حتى قضائية داخل شعاب الدولة؟ متى سيتهرب  ويخاف الناس من المسؤولية لأنها تستلزم المتابعة والمحاسبة؟ متى سيصبح المال العام مقدس وله اعتبار؟ متى ستستقل السلطات بعضها عن بعض؟ متى سيصبح الفضاء العام مجال للرقابة ؟ متى سنخلص التدبير العمومي من أيادي خاصة الخاصة؟ أين وعي المجتمع وسلطته؟ أين دور الإعلام "السلطة الرابعة"؟ أين دور النخب والطبقة المثقفة؟ أسئلة كثيرة وغيرها يجب أن تطرح حتى نساهم جميعا في أداء الرسالة الأخلاقية من أجل  الإصلاح ان لم نستطيع التغيير!
هذا المقال اكتبه وانا، ككل مهتم بهذا الشأن، أتابع مباشرة محاكمة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي المتهم والمدان نهاية صبيحة هذا اليوم  الإثنين فاتح مارس في قضية فساد وتلقي رشوة في ما بات يعرف إعلاميا وقضائيا ب"قضية التنصّت" إلى جانب محاميه وقاض سابق كبير، في أول محاكمة من نوعها تستهدف رئيساً في فترة ما بعد الحرب!... وبدأت المحكمة تلاوة حكمها عند الثانية عشرة والنصف بتوقيت غرينتش وقال رئيس المحكمة " باسم الشعب الفرنسي،  حكمت المحكمة  على المدعو  نيكولا ساركوزي بالسجن ثلاث سنوات،  منها سنة سجن نافذة"  
نيكولا ساركوزي! رئيسة المحكمة لم تناديه بالوقوف للاستماع لنص الحكم  بصفته رئيس سابق للدولة بله كمواطن...
فليتصور كل واحد منا كيف لرئيس  خامس دولة عالميا  ان يقف أمام قاض مستقل وهو يسمع ولا يستطيع الرد، رئيس المحكمة وهو يصفه ويصف أداءه حينما كان رئيسا وبعدها  بأقصى عبارات الإدانة  لأنه استغل منصبه وسلطته في فساد واستغلال النفوذ خدمة لمصالحه الخاصة.
ليست هذه القضية الوحيدة لساركوزي وليس ساركوزي أول مسؤول وأعلى شخصية في هرم السلطة الفرنسية يحاكم ويحاسب باسم الشعب الفرنسي ...قبله جاك شيراك وقبلهم الملك لويس السادس عشر.
ليست فرنسا الدولة الأوربية والغربية الوحيدة التي تتابع وتحاكم المسؤول السياسي أو الاداري ملكا كان أم رئيسا أم وزيرا...فنلندا تابعت وحاكمت، السويد تابعت وحاكمت، امريكا تابعت وحاكمت، اسبانيا تابعت وحاكمت، بريطانيا تابعت وحاكمت الخ.
القاسم المشترك في هذه الدول: نظام قضائي مستقل، وعي جمعي وحاضنة اجتماعية راشدة، اعلام مستقل غير مغشوش، ومتابعة المال العام وحسابات الدولة بالإضافة إلى النضج  والوعي الثقافي الإنتخابي  لدى عموم المواطنين.
كم من رئيس خان في بلدنا العربي؟ كم من وزير عربي نهب المال العام؟ كم مسؤول عسكري وأمني تورط في فساد أخلاقي وفساد مالي واستغلال المناصب والسلطة المعنوية التي تمتع بها؟ كم من موظف شبح في إدارات الدولة؟ كم من إمتيازات وعقارات تمت خيانتها دون حسيب ولا رقيب؟ كم من بريئ سجن؟ كم من مجرم حر طليق؟ من يحاسب على المال العام ؟ من يحاسب على الممتلكات والتصريح بها؟
البلاد العربية  الاسلامية حسب تقارير دولية مستقلة وحسب شهادة الواقع وأحوال الناس وحسب التراكمية التاريخية من اسوء بلدان العالم من حيث الفساد السياسي وكثرة الوساطات والابتزاز الأخلاقي جنسيا ضد المرأة وظاهرة الرشوة.
حسب منظمة الشفافية الدولية،  لبنان اسوء دولة في الوطن العربي.... كلها مؤشرات سيئة  تنبئ بخطر انهيار الدولة أن لم يكن قد حصل! وليس فقط لبنان بله أن جغرافيا الفساد تغطي جغرافية الوطن العربي من نواكشوط إلى بغداد مرورا بالفساد في المغرب والجنرالات في الجزائر وليبيا ومصر إلى غياب أبسط ملامح الدولة وهيبتها في العراق وسوريا واليمن دون نسيان الانهيار الأخلاقي السياسي المرتبط بحقوق الإنسان في دول الخليج.
للأسف الشديد غالبا ما يتم التستر إعلاميا  رسميا واكاديميا وإداريا على مثل هذه الظواهر تفاديا لفضح ما هو مكشوف أصلا ولا يغيب على نظر أبسط الناس وخاصة بعدما اصبح الإعلام والخبر في متناول الناس في كل لحظة وفي كل مكان.
 فكيف إذن أن نخرج من الأزمة اذا لم يسمح على الأقل طر السؤال؟
هنا يجب التأكيد على أهمية الأشكال الذي اريد ان أطرحه في هذه المقالة وربطها بدافع الكتابة إلا وهي علاقة السياسي العربي  والاداري العربي والعسكري العربي والرئيس العربي بالمتابعة والمحاسبة والمحاكمة وبخاصة ان حصل بالدليل والبينة المادية أنه تمت واقعا استغلال المنصب لغير مصلحة الأمة والمجتمع.
كل الأبحاث والدراسات أكدت أن الدول العربية لم تحقق تحسنا ولا نجاحا في حربها ضد الرشوة والفساد بله انها منيت بهزيمة وانتخابات خطيرة...وهذه الظواهر رغم وضوحها لم يتعامل معها النظام القضائي بشكل حاسم وحازم وهذا له تأثير مباشر على الاقتصاد والإدارة والسياسة. وللأسف علنا العربية في ذيل ترتيب دول العالم وبالتالي سقوط هيبة الدولة والمؤسسات.
دول شمال إفريقيا تراجعت في مكافحة الفساد ،فلتونس مثلا لم تراوح مكانها في هذا المجال واحتلت المركز 74. اما المغرب فقد شهد تراجعا ملحوظا في المؤشر حيث تحتل 80 عالميا في ترتيب  منظمة الشفافية العالمية. ليبيا 168ظروف الحرب الاهلية! اما مصر و الجزائر فتتقاسمان المركز 106 عالميا في مؤشر مكافحة الفساد....اما العراق والسودان واليمن فحدث ولا حرج.
سلطة تشريعية فاسدة، سلطة تنفيذية فاسدة، سلطة قضائية فاسدة...واعلام منحط ومجتمع قاصر لم يبلغ بعد سن الرشد ولم يبلغ أشده.
العالم العربي والإسلامي كان لزاما عليه ان يقدم النموذج الأخلاقي والاعتباري لقضية الأمانة تجاه المنصب العام والمال العام والشأن العام!؟ الدول العربية الاسلامية تعيش تحت وطأة "مافيات" الفساد واستغلال المناصب والسلطات العمومية لا تعلن حالة طوارئ ولا استنفار عام للتصدي لهذه الظاهرة التي تنخر هيكل وأبنية الدولة وحتما فهي  تتسبب في فشل وغياب مشاريع التنمية المستدامة ان وجدت أصلا خطط لتعزيز مكانة الإنسان الحفاظ على شرفه.
العالم العربي الإسلامي له مرجعية إسلامية تحارب الظلم والفساد وتبني حرية الإنسان وتشرع للتنوع..ولكن لا مرجعية إسلامية لا مرجعية أخلاقية لا مرجعية قانونية.
لإن الأرقام مخيفة والواقع أَمَر !
 أيها القارئ العزيز  اقبل مني أن أخبرك سرا،  اعلم انك انت وانا كذلك مسؤولون  وشركاء مباشرون  في تكريس هذا المشروع اللَّأخلاقي الذي يضر بك ويضر بالمجتمع. انت وانا مطالبون بشرف الإلتزام وبأمانة الكلمة.  صمتي وصمتك غير صحي ولا يخدم مصلحة الوطن.  وبالتالي لا تقبل بالدنية ولا تقبل بعقلية الرعية السلبية التي تجعلك وتجعلني نغض الطرف...فكم من ساركوزي في وطننا العربي؟
وأخيرا أيها القاضي،  انت تحكم باسم الأمة وتعلم يقينا أن العدل أساس الملك فإذا غاب  او فسد القاضي وانعدم العدل إنهار البنيان وكثر الظلم وكثرت الجرائم والحوادث وقتلت النفس  البريئة وانتعشت عناصر المافيا التي تحقق خططها عند غياب المتابعة والمحاسبة والمحاكمة...
كم من ساركوزي وأمثاله في بلدان الشفافية والنزاهة العربية!؟
لا تصمت،  أما انا فلم اصمت ولن التزم الحياد...الحياة أمانة والتزام.

*باحث جامعي مهتم بقضايا الوطن العربي
باريس.  

 

 

التعليقات

أضف تعليقك