"القاسم الانتخابي" يفضح مساعي البلقنة للالتفاف على إرادة الناخبين

"القاسم الانتخابي" يفضح مساعي البلقنة للالتفاف على إرادة الناخبين
الأربعاء, 3. مارس 2021 - 14:25

بالتزامن مع تقديم تعديلات الفرق والمجموعة النيابة داخل مجلس النواب، على مشاريع القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات المقبلة، تفاجأ الرأي العام الوطني، أمس الثلاثاء، بدفع فرق الأغلبية والمعارضة باستثناء فريق العدالة والتنمية، باعتماد قاعدة عدد المسجلين، في احتساب القاسم الانتخابي، وذلك في وقت يرى فيه عدد من المحللين السياسيين والأكاديميين، أنه خيار معيب ديمقراطيا، ويكاد يكون مستحيلا تقنيا وحسابيا.

وتقوم فكرة القاسم الانتخابي، على اعتماد قاعدة المسجلين أو قاعدة الأصوات المعبر عنها كأساس للاحتساب عِوَض ما هو معتمد في طريقة الاحتساب الحالية والقائمة على قاعدة الأصوات الصحيحة التي تعتمد في الأنظمة الانتخابية الديمقراطية التي تتخذ من النظام اللائحي المبني على قاعدة التمثيل النسبي.

دواعي رفض المقترح

وحول دواعي الاعتراض على هذا المقترح، الذي لم يرد ضمن مشاريع القوانين الانتخابية التي جاءت بها الحكومة، أكد نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سليمان العمراني، أنه" انتصارا للاختيار الديمقراطي، الذي ارتضته المملكة ثابتا دستوريا لها، فإن حزب العدالة والتنمية ما يزال ثابتا على موقفه برفض احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين".

وقال العمراني، في تصريح خاص لـ "pjd.ma  "، "اليوم نقولها بكل وضوح إنه إذا سعى البرلمان بمجلسيه إلى الدفع بهذا الاتجاه، فإن فريقي الحزب بالبرلمان سيضطران بالتصويت بالرفض ضد مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب".

وأوضح النائب الأول للأمين العام لحزب "المصباح"، أن "الحزب وبمنطق إيجابي وبحس وطني، سعى في إطار المشاورات الحكومية إلى بناء توافقات مع الأحزاب السياسية، ومن أجل ذلك تنازل الحزب عن العديد من الاختيارات التي تضمنتها مذكرته الانتخابية".

وتابع العمراني، أن "هذه الاختيارات وجدت طريقها إلى المشاريع الانتخابية المعروضة اليوم على البرلمان"، مستدركا "لكن في المقابل كان عند الحزب موقف واضح بشأن السعي لاحتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، حيث عبر عن رفضه هذا المقترح، ضمن بيانات الأمانة العامة المتتالية لاعتبارات مبدئية ودستورية".

من جانبه، أكد مصطفى إبراهيمي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، رفض الفريق المطلق لاحتساب القاسم الانتخابي بناء على عدد المسجلين باللوائح الانتخابية.، معتبرا أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين سيشكل خطورة على الديمقراطية، وليس على نتائج حزب العدالة والتنمية.

وأوضح إبراهيمي، في تصريح لـ " pjd.ma"، أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين سيحول العملية الانتخابية إلى عملية لتوزيع المقاعد على الأحزاب بالتساوي وبدون منافسة، مشددا على أن هذا الأمر يضرب أساس العملية الديمقراطية وهي التنافس، ويضرب بنسبة المشاركة التي ستكون بدون جدوى، والمحاسبة السياسية عبر ممارسة حق وواجب التصويت.

وبناء على ذلك، اعتبر رئيس فريق "المصباح" بالغرفة الأولى، أن احتساب القاسم الانتخابي على هذا الأساس، يخالف المقتضيات الدستورية والمنطق الانتخابي السليم، ويعاكس تجارب المقارنة الفضلي، وسيشكل تراجعا وانتكاسة خطيرة على الديمقراطية التمثيلية ببلادنا.

غياب مرجعية دولية

وتعليقاً على طرح هذا المقترح، يؤكد أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق السويسي بالرباط أحمد بوز، أن "احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد الناخبين يطرح مجموعة من المشاكل على رأسها غياب مرجعية دولية تأخذ بهذا النمط،"، مسجلا أن "المعروف في الأطروحة الفقهية، هو أن القاسم الانتخابي هو مجموع الأصوات المعبر عنها مقسوم على المقاعد المتبارى عليها، أي تعبير عن إرادة الناخبين وليس المواطنين أي الناس الذين أدلوا بأصواتهم".

وفي مداخلة له خلال ندوة نظمها المرصد الوطني لحقوق الناخب حول: "سؤال نمط الاقتراع بين حرية الناخب وسلامة الانتخاب"، قال البوز، إن النظام الانتخابي يحتاج الى كثير من الثبات والاستمرار والتمرين والتجربة، مضيفا أن الأمر ليس مجرد مسألة تقنية أو عملية حسابية وإنما هو تعبير عن اختيار وماذا نريد هل نريد تعددية مفرطة في المؤسسات أم شيئا آخر.

واعتبر أستاذ القانون الدستوري، أن تغيير نمط الاقتراع سيدخلنا في التغييرات والتغييرات المضادة، مشددا على أنه يجب أن "نخرج من قضية التطويع وتوظيف الإطار القانوني للانتخابات لكي يخدم أجندات وترتيبات سياسية".

وبالعودة إلى بعض الأنظمة الانتخابية والمعتمدة في أكثر الدول الديمقراطية وبمختلف أنماط اقتراعها، نجدها مجمعة وحريصة على إيلاء إرادة الفرد الناخب الأولوية الكبرى في تحديد الخريطة الحزبية والسياسية، حيث إنه على سبيل الذكر لا الحصر نجد أن دولا مثل هولاندا والدنمارك ونيوزلندا والتي تعتمد نظام اللائحة الانتخابية الواحدة على عموم التراب الوطني تعتمد القاسم الانتخابي على أساس قاعدة الأصوات الصحيحة مع عتبة تختلف من دولة إلى أخرى.

ضرب التمثيل النسبي

 أما بالنسبة لإسبانيا فهي تعتمد نسبة الأصوات الصحيحة لاحتساب القاسم الانتخابي وكذا العتبة، نفس الأمر ذهبت إليه تونس منذ انتخابات المجلس التأسيس بعد الثورة حيث تعتمد نظام الدوائر على أساس التمثيل النسبي وباحتساب القاسم الانتخابي بناء على قاعدة الأصوات الصحيحة.

 وبهذا الخصوص يقول عضو لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، رضا بوكمازي، أنه ليس هناك "أي نمط اقتراع باللائحة يعتمد في احتساب القاسم الانتخابي على المسجلين في اللوائح الانتخابية، بل جل الأنظمة تعتمد في تحديد القاسم الانتخابي على الأصوات الصحيحة، وهي الأصوات المعبر عنها ناقص الملغاة. وهذا هو الذي ينسجم مع المنطق ".

وتابع المتحدث ذاته، أنه بالرجوع إلى فلسفة نظام التمثيل النسبي نجد أن فكرة "احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين أو عدد الأصوات المعبر عنها" تضربها في الصميم وتتعارض مع كل مقومات نظام التمثيل النسبي، لأنها بكل بساطة تسعى إلى المساواة بين الاختيار الشعبي، الذي قد يعبر عنه عشرة أضعاف الناخبين والاختيار الذي عبر عنه عُشر هذا العدد الأول في جعلهما يؤديان إلى نفس النتيجة الحسابية من حيث عدد المقاعد المتحصل عليها بالنسبة لكل لائحة.

تشويه الإرادة الحرة للناخبين

على صعيد آخر، سجل بوكمازي، أن هذا المقترح لم يرد في مذكرات جميع الأحزاب السياسية وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول مهندس الخريطة الذي يجرب الاقتراحات ويقوم بالعمليات الحسابية بشكل مستمر حتى يجد الوصفة المناسبة لتحقيق الهدف المرجو في تشويه الإرادة الحرة للناخبين وتشويه الخارطة السياسية وبلقنتها.

وأضاف بوكمازي، في مقال رأي بعنوان" القاسم الانتخابي والرغبة المسبقة في تحوير إرادة الناخبين"، أن البعض يُحاول اليوم طرح فكرة غريبة قوامها تقويض كل أسس المشهد الحزبي، من خلال تشويه عملية انتخاب ممثلي الأمة باقتراح فكرة احتساب القاسم الانتخابي بناء على قاعدة المسجلين أو قاعدة الأصوات المعبر عنها.

واعتبر البرلماني ذاته، أن العدول عن احتساب القاسم الانتخابي بناء على قاعدة الأصوات الصحيحة، هو ضرب في الصميم لمبدأ الإرادة الحرة والاختيار الخاص بالناخبين المعبرين عن أصواتهم بشكل صحيح وسليم الذي يفترض فيه التعبير عن الاختيار الواعي والجماعي.

واعتبر بوكمازي، أن هذا الاختيار غير الديمقراطي يسعى إلى المساواة بين المواطن الذي استعمل حقه الدستوري، وقّٓدر أهمية المشاركة الانتخابية في صنع القرار العمومي وتدبير الشأن العام، وبين المواطن الذي لم يعر العملية الديمقراطية والانتخابية نفس القدر من الاهتمام، بجعلهما معا أساسا ومعيارا لتوزيع المقاعد المتباري بشأنها في احتساب القاسم الانتخابي، وهو ما قد يسهم في تقويض أسس المشروعية الانتدابية.

انحراف ديمقراطي خطير

ويرى عدد من الفاعلين السياسيين، أن فكرة القاسم الانتخابي، تضرب المساواة بين المواطنين كمبدأ دستوري وتحدث نوعا من التفاوت الصارخ بين أصوات المواطنين، جاعلة صوت أحد المواطنين قد يساوي عشرة مرات صوت مواطن أخر، مسجلا أن هذا الاختيار غير منطقي ولا عقلاني وغير مقبول من الناحية السياسية والديمقراطية.

وفي هذا السياق، يسجل رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين نبيل شيخي، أن" هذا المقترح الهجين سيشكل اختراعا غريبا، تفتقت عنها عبقرية بعض الأطراف السياسية، التي لم تأبه بأن ما تم اقتراحه يشكل نشازا وانقلابا على ما تعارفت عليه تجارب الأنظمة الانتخابية العالمية في هذا المجال".

وأضاف شيخي، أن المسألة ليست تقنية بسيطة وليست متعلقة بمن هو مع هذا الاقتراح ومن ضده، وليست أيضا سهلة بالشكل الذي يتصوره مهندسو هذا الاصطفاف العجيب الغريب، معتبرا في مقال له، أنه " ما يقع يحتاج إلى قدر كبير من الوضوح والصراحة في توصيفه".

وأكد شيخي، أن طرح هذا المقترح يشكل انحرافا خطيرا ظاهره اختلاف حول القاسم الانتخابي ومضمونه الحقيقي انقلاب على الديمقراطية وسعي واضح للالتفاف القبلي على الإرادة الشعبية، ويعكس في الجوهر مدى عجز البعض عن الاحتكام إلى قواعد التنافس الديمقراطي وفق القواعد المتعارف عليها عالميا.

وفي نفس الاتجاه اعتبرت أمينة ماء العينين، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، أن " اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، "عصْفٌ بكل المكتسبات الديمقراطية الهشة التي نجح المغرب في ترسيخها"، مؤكدة أن لقاسم الانتخابي المقترح لا يخلق تقاطبا بين من مع العدالة والتنمية ومن ضدها، وإنما يخلق تقاطبا بين من مع الديمقراطية ومن ضدها".

وذكرت ماء العينين، أن "قراءة هذا المتغير الخطير بربطه بحسابات الخريطة الانتخابية، أو بهزم العدالة والتنمية انتخابيا، هو تحريف لنقاش يُعتبر في العمق نقاشا سياسيا يهم مستقبل الديمقراطية ومعنى العملية الانتخابية بغض النظر عن الفائز في الانتخابات"، مشددة في المقابل على أنه "سيصعب في المستقبل تدارك خطأ قاتل يمس بمبادئ الديمقراطية الكبرى".

إلى ذلك، يؤكد عدد من المراقبين والمتتبعين للشأن السياسي المغربي، أن المنطق السليم والرغبة الديمقراطية التي يفترض فيها أن تشغل بال الأحزاب السياسية الجادة، وكذا الدولة التي تسعى إلى المزيد من الدمقرطة وتحسين شروط التنافس السياسي في إطار قواعد الديمقراطية، يقتضى أن يسارع الجميع دولة وأحزابا سياسية ونخبا مجتمعية إلى تحسين المكتسبات الديمقراطية وتوفير شروط تطويرها لا البحث في سبل الانقضاض عليها والتراجع عنها خدمة لأجندة لحظية.

التعليقات

أضف تعليقك