أحمد كافي يكتب: الوشاية والتشغيب السياسي

أحمد كافي
الاثنين, مايو 24, 2021 - 11:15
أحمد كافي يكتب: الوشاية والتشغيب السياسي

لم أتفاجأ من رسالة الجبهة المغربية ضد رئيس الحكومة المغربية، لأني أعلم منذ عقود خلت أن هذا الفكر لا يزال على قيد الحياة، وهو منسجم مع نفسه منذ ظهوره، ولا زال وفيا له، ويصدر من خلاله.

وسيبقى في عالم الأفكار هذا الفكر دائما، وهو المعبر عنه في تاريخ الأفكار ب: الأقليات الفكرية، التي يكون لها دور في الهوامش. ولن يكون لها تأثير في صناعة الحاضر والمستقبل.

التطبيع كارثة:

لم أشك يوما في أن الأمة عليها أن تخنق الكيان الصهيوني الغاصب بأن لا تجعل العلاقات معه طبيعية. وأن على العلماء والمفكرين والمثقفين...وكل الفضلاء، أن يختاروا النضال في صف الممانعة والضغط على الاحتلال وإرهاقه وإتعابه.

الساسة:

وأعتقد أن على الساسة مثل ذلك. لكني أتفهم بعض الضغوطات التي يتعرضون لها وهي كالجبال. والتفهم لا يعني التبرير لهم. وإنما يعني أن أمارس المزيد من الضغط المجتمعي حتى أخفف على هؤلاء السياسيين ضغط دهاقنة السياسة الدولية. فيجد الأباطرة المحترفون، والحيتان الكبيرة، مطلبهم ومطالبهم معرضة للهجوم الكاسح مجتمعيا، وأنه لا قبل لهم بالمطالب التي يعلمون هم قبل غيرهم أنها من باب المستحيل.

علينا أن نساعد الساسة في بلاد العرب والمسلمين بالضغوطات من أجل اختياراتنا وآمالنا، لا أن نتركهم يواجهون أقدار المفسدين وحدهم.

قلة أدب:

أن يعبر تيار عن رأيه فهذا مما يجب أن ندافع عنه، ونموت من أجله وإن لم نؤمن به. لكن الذي ينزعج له العقلاء هو قلة الأدب في فرض فهمك واختيارك وتقديرك على الآخرين.

إن حماس قررت منذ زمان أن لا تتدخل في الاختيارات السياسية للدول. وتحتفظ بحقها في التعبير عن مواقفها التي تخص قضيتها وشعبها. ولن تكون وقودا في الاصطفافات الداخلية للدول أو للأطراف في تلكم الدول.

وهذا ما غاب فهمه عن كتاب تلكم الرسالة، فعبروا عن انعدام ذوق، واختاروا عمل الوشاة:

لَقَدْ خَزَي الفرزدقُ في معدٍ *** فأمْسَى جهدُ نُصرَتِهِ اغتِيابا

مراهقة سياسية:

هل غاب عن حماس ما وقع في ذلك اليوم الحزين عند الشعب المغربي؟

هل نسيت حماس حتى نذكرها بذلك، وما بالعهد من قدم؟

لم تنس حماس ذلك، وقد شاركت قيادتها منذ اندلاع الانتفاضة أواخر شهر رمضان ضد المحتل الصهيوني الغاصب في جملة من الأنشطة التي نظمت من طرف من تنكرت الرسالة لهم، وأرادت تسويد وجه الجميع من غير استحياء أو تفهم.

أتفهم:

أن يقع الاتصال بحماس وبغير حماس، والمذاكرة معهم في الموضوع كما حصل في محطات مشابهة كثيرة منذ ذلكم اليوم الحزين، فهذا مما لا يزعج العقلاء.

وأن يستجاب لتلكم الاتصالات أو لا يستجاب هو تقديرها واختيارها.

 لكن أن تصدر رسالة علنية، فهو حساب صغير يروم:

أولا: إحراج حماس.

ثانيا: إحراج رئيس الحكومة المغربية.

وهذه مراهقة سياسية، لها ما بعدها. وإن أبا العبد قد اتصل برئيس الحكومة في أول بدايات الحرب في أواخر شهر رمضان، لو يعقل كتاب الرسالة.

فما العمل أيها المحررون للرسالة عندما يشارك القياديان اللذان وجهت الرسالة لهما في نشاط: فلسطين الصمود..فلسطين الانتصار؟

التشغيب الصغير:

المنطق هو أن يقاطع محررو الرسالة حماس والمطران منذ مساء هذا اليوم، لأنهما جلسا إلى جانب من حذروا من الجلوس إلى جانبه.

والظاهر أنهم لن يفعلوا، وسيلوذون بصمت القبور.

إنك عندما تريد فرض تقديراتك على الآخرين بحسابات صغيرة، وبحقد دفين، يعتقد الكاتبون لرسالتهم انها الفرصة للانقضاض، فلن يجدوا من المصير إلا الصد عنهم اليوم أو غدا. وسنرى.

حماس تمارس السياسة القائمة على جلب المصالح ما استطاعت ودرء المفاسد ما استطاعت. وهي أعلم الناس بما يتعرض له إخوانهم من الضغوطات، وقد خبرت ذلك وتعرضت له ولا تزال. آخرها الضغوطات التي تعرضت لها في هذه المعركة الأخيرة. فمارست السياسة من خلال الممكن. وإنها لتعذر نفسها فيما لا يرتضيه جمهور من الناس، وتنتظر أن يعذروها إن شاؤوا وتفهموا، وإن قرروا الأخرى فلن تلتفت إلى تلكم الإرادات.

لقد استكثر عليها الغلاة رسالة شكر لإيران، وأرادوا منها أن تكون لئيمة مع من لم تجد منهم عداء.

لكنها كانت أعقل، وهي الخبيرة بدهاليز الغرف المظلمة التي تصنع فيها السياسة.

ما أعلمه:

إن قيادات حماس تزور المغرب باستمرار، وتنزل عند من حذرت الرسالة من الجلوس معهم، ولم تقبل في كثير من المرات أن تحضر عند من حرروا الرسالة لها، رغم إلحاحهم ذات اليمين وذات الشمال.

رفضت الحضور معهم في تقديرها هي.

لماذا؟

لأنها تمارس السياسة، ولا تريد أن تكون طرفا في خلاف سياسي داخلي للأشقاء. وهي تعلم التكلفة الباهظة التي تورطت فيها فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وما كان من نهر الدماء والشقاء في أيلول الأسود والأزرق وبكل الألوان القاتمة في محطات كثيرة.

علماء فلسطين:

ليس بخاف أن كثيرا من القيادات العلمائية الفلسطينية تزور المغرب في مناسبات مختلفة. وأذكر في إحدى اللقاءات لي معهم أواخر التسعينيات سألني القوم في جلسة خاصة على مائدة الغداء عن رأيي في دعوة من هؤلاء وصلتهم لزيارتهم.

فقلت لهم ساعتها: أنتم أحرار في زيارة من تشاؤون، والجلوس مع من تشاؤون، والحديث مع من تشاؤون. لكن ليس من حقكم التلوم إن رتب غيركم على حريتكم حريته هو أيضا. وتوقفت عن الزيادة في البيان.

فهم القومُ الرسالة وامتنعوا من اللقاء، إلا ما كان من استقبال في الفندق. لأنهم رأوا من المصلحة إن أرادوا الدخول للمغرب في المرات القادمة أن لا يكسروا جرة الدخول بتصرفهم هذا.

تركيا الجديدة:

اختار المغرب أن يقف إلى جانب تركيا عندما تعرضت لمحاولة الانقلاب الفاشلة. واستجاب لطلبها بأن أغلق مدارس الفاتح في المدن التي تواجدت فيها.

وردت تركيا أردوغان التحية بأحسن منها فورا، فمنعت قيادات من هذا التوجه في مطار إسطنبول عند وصولهم إليها، ومنعتهم ثانية من حضور أشغال الجمعية العمومية للاتحاد. ورغم الإصرار على الحضور من خلال شفعاء ووسطاء، ولكن الموقف الأخير كان هو المنع.

لماذا؟

لأن العثمانيين الجدد يمارسون السياسة بمصلحة تركيا، لا بمصلحة بعض الجهات أو الهيئات.  تتصرف بمنطق المسؤولة عن الدولة لا المسؤول عن الجماعة.

الهيأة الدولية لمناصرة فلسطين:

تم الاجتماع مؤخرا بين قيادات من دول عربية وإسلامية مختلفة لمساندة الشعب الفلسطيني وصموده. وتدخل بنزق أحد هؤلاء يستنكر أن يجلس إلى جانب شخص معدود في نظره من حزب مطبع. رغم أن السيد المحترم( ع. ه) أمازيغي قح، تجري فلسطين في عروقه حتى النخاع. ولم يستجب العقلاء المجتمعون للاقتراح الصغير، فتم رفضه. وقرر المعترض الانسحاب، وكذلك كان.

ولما تشكلت القيادة وكان من بين أعضائها من قرروا الوقوف في وجهه، إذا بهم يتصلون بالقيادات الفلسطينية كي يضمنوا لهم مقعدا في القيادة المشكلة.

هيهات، هيهات. انطلقت السفينة محترمة رأيكم.

فما الذي استجد حتى تطلبوا العودة للجلوس مع من تتهمونه؟

السياسة لا تمارس بالحقد، ولا بردود الأفعال الطائشة غير المحسوبة عواقبها.

السياسة كما قال علماؤنا: ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي.

إنه فن التقريب والتغليب. وأما الغلاة في المجال السياسي، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات

التعليقات

أضف تعليقك