تسقيف السن هل هو مدخل لتحصين المهنة؟

امحمد الهلالي

بعد فقدانه الحجة للدفاع عن مشروعية قراره بتسقيف سن التوظيف، ابتكر السيد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة فكرة غريبة في سياق دفاعه من قرار تسقيف سن الولوج إلى الوظيفة العمومية في التعليم، وهو القرار الذي لقي اعتراضات على أسس دستورية وقانونية واحتجاجات ميدانية رافضة له.

البدعة التي اهتدى إليها السيد الوزير هي أن تحديد السن في 30 سنة، هو مدخل لتحصين المهنة وحمايها.

بدون شك فإن تحصين مهنة التدريس وحمايتها هو من أنبل الأهداف وأكثرها مشروعية ليس بالنسبة لأصحابها وحسب، ولكن بالنسبة لأولياء وآباء التلاميذ وكذا بالنسبة لمطلب النهوض بالتعليم والتربية بالمغرب.

لعل من أوحى للسيد الوزير بهذه الحجة يدرك مدى سحر هذه الكلمة بالنسبة لنساء ورجال كل مهنة مما سيساهم في كسبهم، أو استمالتهم في المعركة مع المحتجين الراغبين في التوظيف أو على الأقل تحييدهم وتحييد النقابات التي تدافع عن مصالحهم. لكن ما لم يدركه السيد الوزير هو أن التربية والتكوين يلزمها كل شيء لكي تصبح مهنة تستوجب الحماية والتحصين، وأن آخر قضية يمكن أن تلحق بقائمة التدابير القمينة بتحصين المهنة هو التفكير في شروط الولوج إليها، كما أن السن بدوره هو في ذيل الشروط بعد الشروط المعرفية والبيداغوجية والمسارات التكوينية والخبرات المتراكمة والمهارات الشخصية والقدرات الابتكارية.

فالتحصين الحقيقي يبدأ أولا بإعادة الاعتبار للأستاذ من حيث كرامته وحقه في العيش بعزة متحررا من عبودية القروض وضغط أثمنة وشروط الولوج إلى الخدمات الأساسية كالسكن الذي يلتهم أكثر من نصف أجرته والباقي يوزعه بين الأدوية والأغذية ولا يتبقى شيئا للترفيه أو الثقافة او السياحة .

والتحصين المطلوب التفكير فيه ثانيا ينطلق من أنسنة ظروف العمل وتسهيل الولوج إلى حماية اجتماعية وصحية تليق برجال التربية ونسائها.

وتحصين المهنة أيضا يحتاج إلى نظام للحوافز المعنوية والمادية ثم لنظام للترقي يؤمن حدا أدنى مشتركا بين الجميع ويشرع لمكافأة على أساس التميز والابتكار ويأخذ بعين الاعتبار ظروف العمل والصعوبات والاكتظاظ والبعد .

كما أن التحصين هو الذي يضع مهنة التربية والتعليم في صدارة المهن من حيث الجاذبية ومن حيث كرامة الأستاذ ومن حيث الوضع الاعتباري لرجال ونساء التربية، ليس لأنها أولوية وطنية وحسب، ولكن لأن التربية والتعليم هي المهنة المسؤولة عن جودة باقي المهن وهي المسؤولة عن جودة أو رداءة خريجيها ورأسمالها البشري.

من جهة أخرى فإن التحصين لا يكون إلا للمهن التي تحتل المقدمة من حيث الجاذبية ومن حيث الامتيازات التي يحظى بها أهلها ومن حيث الأجور والتعويضات والمنافع التي يتمتعون بها، ومن حيث يسر الولوج إلى الخدمات الأساسية والتكميلية المخصصة لها.

لذلك فإن المدخل الى التحصين الفعلي لمهمة التربية والتعليم يتطلب البدء بما هو أساسي وهو أن نجعل لهذه المهنة أعلى الأجور وأفضل نظام للحوافز وأحسن نظام للترقي وأجود ظروف للعمل، وبعدها يمكن أن نجعل شروط الولوج إليها مناسبة لأهميتها وجاذبيتها ومبنية على الاستحقاق والتفوق وليس على اعتبارات اجتماعية محضة.

وفي انتظار هذا الحلم بعيد المنال ما يتعين التأكيد عليه هو أن التحصين الممكن ينبغي أن يبدأ  بإنهاء حالة الهشاشة التي فرضت على نحو 100 ألف أستاذ في موضوع التوظيف الجهوي وذلك بتمديد نفس أحكام الوظيفة العمومية الوطنية الى الوظيفة العمومية الجهوية وذلك بإضافة مادة وحيدة إلى مرسوم النظام الأساسي للأساتذة يؤكد على أن تسري نفس الأحكام أعلاه على الأساتذة الذين يتم توظيفهم ووضعهم والموجودين في وضعية إلحاق بالمؤسسات العمومية الجهوية أو رهن إشارتها  كما هو حال بعض الموظفين الملحقين او الموضوعين رهن إشارة المؤسسات العمومية الأخرى.

كما يمكن أيضا المساهمة في التحصين بإنهاء الإشكالات العالقة الخاصة ببعض الفئات والإفراج عن الترقيات المستحقة ومعالجة مطالب بعض فئات الاساتذة التي تتعثر لاعتبارات محاسباتية محضة، ويتم الاحتجاج بكثرة أعداد الاستاذة وليس الى مشروعية مطالبهم وتثمينا للأدوار التي يضطلعون بها في خدمة مرفق التربية والتعليم ببلادنا.

وفي غياب ذلك، فان سؤال تحصين مهنة التربية الذي أثير في سياق غير سياقه ومن مدخل بعيد عن مداخله، إنما يهدف إلى الهروب إلى الأمام وإحداث شرخ في جبهة المعنيين بهذا القرار وهم الأساتذة الممارسين والمستقبليين.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.