ابن الطيبي يكتب: أخنوش بين عقدة العدالة والتنمية ولعنة تضارب المصالح

ياسر ابن الطيبي
الاثنين, أبريل 25, 2022 - 17:00
ابن الطيبي يكتب: أخنوش بين عقدة العدالة والتنمية ولعنة تضارب المصالح

أخنوش بين عقدة العدالة والتنمية ولعنة تضارب المصالح
محاولة للفهم
بحثا له عن مبررات لارتفاع أسعار المحروقات وهو أحد كبار تجارها في المغرب، لجأ عزيز أخنوش إلى اتهام حزب العدالة والتنمية بأنه هو الذي قام بتحرير أسعار المحروقات، كما اتهمه كذلك بالتستر عن خبر توقيف إمداد المغرب بالغاز الجزائري!!

 أن يستعمل رئيس الحكومة قضية الغاز الجزائري التي تم التعامل معه بحكمة عالية من طرف جلالة الملك نظرا لحساسيتها الواضحة، فقط، من اجل تصفية حساباته السياسية الضيقة بغية خدمة موقعه كتاجر بالدرجة الاولى قبل ان يكون رئيس حكومة دليل على ان الرجل لا علاقة له برجالات الدولة المخلصين.
فهل يمثل حزب العدالة والتنمية عقدة لدى الرجل إلى درجة السقوط في هذا الخطأ الجسيم الذي يمكن أن يعصف بموقعه إذا أردنا تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة؟؟
هل تتذكرون مصير مزوار عندما أطلق العنان للسانه وهو يشغل موقع رئيس أرباب المقاولات بتصريحات ذات صلة بالموضوع الجزائري، تعتبر أقل خطورة من التي صدرت عن السيد عزيز اخنوش؟؟ فقط لأنه يحمل صفة وزير خارجية سابق، فما أدراك بتصريحات خطيرة صادرة عن شخص يحمل صفة رسمية حاليا بل من الرجل الثاني في هرم الدولة!!!

دعونا نرجع لنقاش مضمون كلمة رئيس الحكومة في البرلمان، التي تستحق الوقوف معها من زوايا متعددة لتسجيل الملاحظات التالية:

 خروج عن المألوف في خطاب أخنوش

 الخرجة الأخيرة لعزيز أخنوش تكاد تكون أول خرجة تتسم بنبرة الهجوم والمواجهة رغم أنه ظل وفيا لعادته في القراءة من الورقة حتى فيما يتعلق بالتعقيب على المداخلات! ففي عموم تدخلاته لم نكن نسمع سوى الكثير من عبارات الحشو ولغة الخشب الفضفاضة وقد يعطي إجابات لأسئلة غير مطروحة، لكنه هذه المرة حاول أن يظهر بمظهر شجاع وأن يتفاعل مع الملاحظات المطروحة دون أن ينجح في الرد على مضمونها التقني، وإن حاول تجنب الإجابات التافهة والغبية التي عادة ما ينهيها بالوعود والتمنيات..
لكن هل لنا أن نتساءل عن السبب وراء تغير نبرة أخنوش في خرجته الأخيرة؟

خرجة متأخرة في سياق ملتهب

ما غفل عنه غالبية متتبعي الشأن السياسي بخصوص خرجة أخنوش أن هذا الأخير تغيب مرات عديدة عن الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة في تجاوز واضح للدستور وتبخيس ممنهج للمؤسسة البرلمانية، فمنذ إقرارها في دستور 2011، كان المغاربة دوما على موعد شهري مع رئيس الحكومة في البرلمان للإجابة عن أسئلة الفرق البرلمانية بخصوص السياسات الحكومية، إلا أنه بعد توليه رئاسة الحكومة، لم يستطع أخنوش الحفاظ على دوريتها، فقد تغيب عنها لمدة طويلة، ولم يجرؤ للقدوم للبرلمان ليواجه أسئلة البرلمانيين بخصوص ارتفاع الأسعار, خاصة أسعار المحروقات التي يبيعها، فهل كان ينتظر حتى تبدأ الأسعار في الانخفاض ليخرج للواجهة؟ أليس من الغريب أن تنخفض الأسعارعلى المستوى الوطني أياما قليلة بعد قراره أخيرا الحضور للجلسة الشهرية للجواب رغم أن سعر البرميل عاد ليستقر في 100 دولار تقريبا منذ أكثر من 3 أسابيع؟ 

عودة لتدبير قطاع المحروقات قبل إصلاح المقاصة

يفسر المطبلون لرئيس الحكومة هذا الانخفاض الذي صادف الجلسة الشهرية الأخيرة بالقدرة الضعيفة للمغرب على التخزين، والتي يقولون تارةً أنها تتحمل 3 أشهر وتارةً اخرى يقولون انها لا تتجاوز 21 يوم حسب ما تشتهي أنفسهم.
الذي لم يذكره المطبلون ولا عزيز أخنوش خلال خرجته المتهورة هو أنه كان يتسلم ممَّن كانوا يرأسون الحكومات السابقة شيكات بملايير الدراهم كل ستة أشهر دون أن يكون لهؤلاء أي وسيلة لمعرفة مدى صحة الفواتير التي كانت تقدم لصندوق المقاصة لدعم المحروقات وقتها. وكان الجزء الأكبر من هذا الدعم من نصيب رئيس الحكومة الحالي والوزير السابق في الحكومات التي قرر أن يتهمها اليوم بتفقير الشعب.
صحيح أن الحكومة لم تنجح في تسقيف الأسعار كما وعد بذلك لحسن الداودي وزير الحكامة في الحكومة السابقة رغم أنه أكد على ضرورة فعل ذلك ووعد أنه سيعمل على هذا الامر.فلماذا لم يوفق في ذلك؟

قبل ذلك لابد ان نفهم المقصود بتسقيف الأسعار؟

المقصود بتسقيف الأسعار هو تحديد وضبط هامش الربح لشركات المحروقات لئلا يتجاوز حدود الربح المنطقي والمقبول الذى قد تحقق هذه الاخيرة مع ارتفاع أو انخفاض سعر البرميل، هذا الربح الذي انتقل من 0,50 درهم الذي كانت تحققه الشركات قبل سنة 2015 والذي أصبح يصل في بعض الفترات إلى 2,10 دراهم بعد رفع الدعم عن المحروقات.
 طبعا بعد أن تذوقت شركات المحروقات هذا الهامش الفاحش من الأرباح الذي تضاعف 4 مرات مما كانت تحققه سابقا لم يكن ممكنا أن تقبل بتسقيف الأسعار، وعمل لوبي المحروقات على الحفاظ على هذا الوضع الجديد بعرقلة عمل الوزير السابق المكلف بالملف في الوصول إلى حل يلائم الشركات ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين والأهم من ذلك,يحافظ على استقرار الأمن الطاقي في المغرب. 

لكن قد يقول قائل أنه كان ممكنا للحكومة السابقة أن تتحمل مسؤوليتها وتفرض التسقيف مهما كلفها الأمر ذلك؟ فلماذا لم تفعل؟ وهنا مربط الفرس، السبب يعود لأمرين أساسيين هما: أولا أن أخنوش مالك شركة إفريقيا التي تحتكر ٪ 43 من سوق المحروقات كان المستفيد الأول من عدم تسقيف الأسعار وبما أنه كان احد الفاعلين الاساسيين في الحكومة كان يستغل موقعه للعب على الحبلين وعرقلة هذا التسقيف من خلال  باقي فرق الاغلبية ،أما السبب الثاني فيتمثل في أن رئيس الحكومة السابق الدكتور سعد الدين العثماني لم يكن يؤمن بسياسة"شد لي نقطع ليك" أو بالأحرى لم يكن قادرا عليها ولم يرد الدخول في هذه المعركة التي كان يعتقد أنها ستؤول إلى إرباك التحالف الحكومي الذي كان هشا بدوره، بل تخلى عن مواصلة اصلاح الغاز لنفس السبب وخرج بعض السذج حينها من حزب العثماني مطالبين بعدم التشويش على الأغلبية الحكومية التي كانت في اعتقادنا تفتقر للشجاعة السياسية اللازمة بسبب الانقلاب الناعم الذي تعرضت له حكومة بنكيران الثانية…وتلك قصة أخرى...

ولهذا ما فعله أخنوش في كلمته الأخيرة في البرلمان ينطبق عليه المثل المغربي الذي يقول "ضربني وبكى وسبقني وشكا"، وهو أسلوب متهافت في التعامل مع أزمة الشرعية والمشروعية التي يعيشها مع حكومته، وليس له إلا هذا النوع من "التدليس" و “ الغميق" الذي يستعين فيه بشركات التواصل لنجدته، والتي تفتقر نفسها إلى الحس السياسي الضروري للتعامل مع مثل هذه الأزمات

لكن دعونا ننتبه إلى الوضعية التي كان سيكون المغرب عليها لو لم يتم إصلاح صندوق المقاصة الذي وفر المليارات الباردة والسهلة التي كانت تصل الى جيوب لوبي المحروقات دون رقيب ولا حسيب؟

ماذا لو لم يتم إصلاح المقاصة في عهد بنكيران؟

4 مليار دولار هو ما وفره هذا الاصلاح على ميزانية المغرب بين 2013 و 2015 بعد قرار تسقيف الدعم في حدود 12 درهم، بالإضافة إلى ما يقارب 12 مليار دولار بين سنة 2015 و 2020 بعد قرار رفع الدعم الكلي، ينضاف إلى ذلك عجز الميزانية الذي انخفض من %7 إلى %3 واستقر فيها، وهو ما عزز ثقة المقرضين الكبار التي كانت على المحك، وكان من الممكن خفض هذا العجز إلى ما يقارب %1,8 لو تم إكمال إصلاح صندوق المقاصة ورفع الدعم عن الغاز الذي لازال ينخر ميزانية الدولة، والذي يستفيد منه الاغنياء بالأساس واخنوش على رأسهم. فبفضل هذا الورش (إصلاح جزء من المقاصة ورفع الدعم عن المحروقات) تمكنت الحكومتان السابقتان من تحقيق مجموعة من المنجزات أبرزها:

o    انخفاض العجز من %7 الى %3 واستقراره في %3,5 قبل جائحة كورونا
o    رفع اعتمادات استثمار الميزانية العامة من42.9 مليار درهم(4,7 مليار دولار) خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2011 إلى 73.6 مليار درهم (7,5 مليار دولار) خلال الفترة 2017- 2021
o    رفع ميزانية التعليم من 59 مليار درهم سنة 2013 الى 76 مليار (8,2 مليار دولار) سنة 2021
o    إصلاح أولي لصندوق التقاعد سنة 2016 بالزيادة في مساهمات الدولة والموظفين الحكوميين
o    إصلاح مكتب الماء والكهرباء بتكلفة إنقاذ قدرت ب 45 مليار درهم (5 مليار دولار) بين 2014 و2017، وتحملت الدولة والمكتب حوالي 70% من هذا المجهود.
o    دعم الأرامل سنة 2014 والذي تستفيد منه اليوم 120 ألفارملة و195ألف طفل يتيم بغلاف مالي يصل إلى 3 مليار درهم (330 مليون دولار). 

أزمة المقاصة التي كانت ملفا موضوعا على طاولة الحكومات السابقة منذ عهد جطو، كانت تسير بالمغرب بسرعة قصوى إلى ما يصطلح عليه بالتقويم الهيكلي، وهي تجربة مأساوية وصفها والي بنك المغرب الرجل المتمرس عبد اللطيف الجواهري بأنها كانت من أسوء لحظات حياته، حيث كان يعيش المغرب حينها تحت وطأة الذل والعار من قبل المؤسسات المالية الكبرى التي تصف المغرب اليوم بالرجل المؤتمن.فلولا إصلاح المقاصة لكانت مديونية المغرب ستتجاوز %122 عوض %92 اي %22 فوق الناتج الداخلي للبلاد و ٪30أكثر مما هي علية مديونية البلاد اليوم، وهذا امر لا يسمح به لدولة ناتجها داخلي متوسط بحجم المغرب فهي أسرع طريق للإفلاس، ولم تكن أي من الاصلاحات السابقة ممكنة دون ذلك.
وهو ما يعني أن المغرب كان بحاجة إلى حكومة تتمتع بالشجاعة والمصداقية اللازمة لمعالجتها، وهو ما تصدَّت له باقتدار حكومة عبد الاله بنكيران.

رجل أعمال ورئيس حكومة لا تهمه سوى مصالحه 

لقد اتضح اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن رئيس الحكومة لا يهمه كل هذا ولا يريد ان يراه أو أن يعترف به، ما يهمه بالدرجة الاولى هي استرجاع الأموال الباهظة التي صرفها للوصول إلى رئاسة الحكومة ولو على حساب القدرة الشرائية للمواطنين وجيوب الفقراء من أبناء الشعب، فهو لن ينسى الدعم بملايير الدراهم التي لم تعد تصل لحساباته البنكية، ولن ينسى دعم الغاز الذي كان سيفقده ايضا لو لم يعرقل تشكيل حكومة بنكيران الثانية، ولم ينس المقاطعة التي عصفت ب 500 مليون دولار من ثروته بين عشية وضحاها،  فمن الطبيعي ان تكون النقطة الأولى في جدول أعماله اليوم هي استرجاع المال العام الذي منع عنه في ال10 سنوات الأخيرة.

وهنا نفهم سر تنبيه عبد الاله بنكيران:"المال والسلطة في يد واحدة يشكل خطرا على الدولة".

والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

التعليقات

أضف تعليقك