خيرون يكتب: هل أساء ابن كيران للعمل السياسي والمؤسسات الدستورية؟!

نزار خيرون

في الوقت الذي من المفروض فيه أن يخرج عزيز أخنوش ويجيب على أسئلة ابن كيران التي حاصره بها خلال بثه المباشر الشهير في 19 أبريل الماضي، والذي لم يصرف فيه ولو سنتيما واحدا، فضّل الأول أن يرسل نواباً عنه والذين كلهم لحدود اللحظة لم ترق أجوبتهم إلى مستوى الأسئلة، لا من حيث المنهجية والأداء ولا على مستوى الأدلة والأرقام والوقائع والحقائق، بل ظلت مجرد كلام هُلامي واتهاماتٍ غارقة في الإساءة إلى أخمص القدمين. 

ومن أطرف هذه الإساءات، إساءة ينطبق عليها المثل الشهير ’’رمتني بدائها وانسلت’’، وتتعلق  باتهام ابن كيران بالإساءة للعمل السياسي والإساءة إلى المؤسسة الدستورية التي كان يرأسها، وهو طبعاً اتهام باطل ولا أساس له، ذلك لأنه الرجل الذي صالح الناس مع السياسة وأعاد الاعتبار للعمل السياسي ولمؤسسة اسمها رئاسة الحكومة وصار الناس يهتمون بها، وأكتفي في هذا المجال باقتباس فقرات من مقال سابق كتبته في نهاية مارس 2017، تحت عنوان ’’ابن كيران الذي في خاطري’’ ومما جاء فيه من باب التذكير فقط : 

وأنت تذكر اسم “عبد الإله ابن كيران” يجول في خاطرك مواقف لم تر قط مثيلا لها لدى السياسيين بالمغرب، وتتبادر إلى ذهنك عبارات دخلت لأول مرة إلى القاموس السياسي المغربي، من قبيل “لتماسيح”، “العفاريت”، “مسامير الميدة”، “التحكم”، وغيرها من المصطلحات والأساليب غير المألوفة في الخطاب السياسي المغربي لشرح تدبير الشأن الحكومي، وواقع الحياة الحزبية، كل هذه الأمور حببت للصغير قبل الكبير مُتابعة الشأن العام والسياسة عموما وصالحت فئة كبيرة من الشعب المغربي مع السياسة.

وأنت تذكر اسم ابن كيران، تتذكر انتفاضته في وجه أعداء الديمقراطية وخصوم الإرادة الشعبية، وجيوب المقاومة، في جلسات المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة بالبرلمان، التي شهدت نسبة متابعتها عبر القناة الأولى الرسمية ارتفاعا مهولا، حيث يتابعها عموم الشعب بشغف كبير في القرى والمداشر والمدن وحتى خارج الوطن، بشكل جماعي بالمقاهي والبيوت كما لو أنهم يتابعون إحدى مباريات ‘‘الكلاسيكو ’’ بين الغريمين ‘‘الريال وبرشلونة’’، بعدما كان الناس لا يعيرونها أي اهتمام في عهد الحكومات السابقة.

شكّل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس أول حكومة ما بعد دستور 2011، رمزا للديمقراطية وحماية الإرادة الشعبية، حيث دافع باستماتة على استقلالية القرار الحزبي، واحترام إرادة الشعب وعلى من يصوتون عليه، وكذا على كرامة الشعب المغربي، وعمل على حماية توجهاته واختياراته الانتخابية، كما دافع على مؤسسة ’’رئاسة الحكومة’’ وجعل الناس يهتمون بها، لدرجة ارتبط اسمه بمنصب رئيس الحكومة’، وهو الرجل الذي كان دائماً مع الناس في تواصل مستمر في الازمات كما في الرخاء.

فالزعيم الوطني ابن كيران، سيظل رقماً صعباً في سياسة المغرب الحديث، ودرساً لكل الأجيال في النزاهة ونظافة اليد والصدق وفي حسن التدبير وما يتمتع به من مصداقية ومعقول، كل هذا جعل منه زعيم الغد قبل الأمس، كما سيخلد اسمه في تاريخ رجال الدولة الذين فضلوا مصلحة الدولة على المصالح الحزبية الضيقة، وهكذا هم رجال الدولة الكبار يضربون الحسابات الكبيرة لفائدة وطن وأجيال، كما قام الاستاذ ابن كيران حينما قام بعدد من الإصلاحات بكل الجرأة السياسية اللازمة والتي اعترف بها اليوم وزراء في حكومة الثامن من شتنبر، والتي سيذكرها له التاريخ وسينصفه.

أما الإساءة الحقيقية للعمل السياسي فهي ديمقراطية التصفيق داخل الأحزاب ولا صوت إلا صوت الرئيس، الذي إذا لم يدافع عنه أحد أقاله من منصبه، كذلك من أبشع صور الإساءة إلى العمل السياسي هو استغلال فقر الناس وحاجتهم لكسب أصوات انتخابية عبر مقايضتهم بقفف جود مقابل بطاقة انخراط، أما واللامبالاة الحكومية وانعدام التواصل في عز الأزمات التي يعرفها المجتمع اليوم فهذا يضرب عرض الحائط كل ذرة ثقة في السياسة ومؤسساتها،  أما وإعطاء خصوم الوحدة الترابية نقطاً مجانية ضد بلادنا فقط للإساءة إلى حزب العدالة والتنمية فهذا لعمري لا يوجد ما أفظع منه.

إذا كان أخنوش عند كل كبيرة وصغيرة يرسل نداءات على شكل أوامر استالينية عمودية إلى أعضاء المكتب السياسي والفريق البرلماني وباقي أعضاء المكاتب التنفيذية للهيئات الموازية، ويصرف أموالاً في تكوينات ’’كيف تدافع عن الحكومة؟’’، حتى يدافعوا عن شخصه والترافع عما يقال ضده كرهاً، فإننا داخل العدالة والتنمية وإن كنا لا نعير اهتماماً لكثير من السفسطائيات هنا وهناك، وحتى إذا تفاعلنا من باب الدردشة فإنه لا يطلب منا أحد ذلك، بل نقوم به طوعاً وإيماناً بمشروع كبير ودفاعاً عن الحقيقة التي يريد كثيرٌ منكم تغليفها وتضييعها تحت عناوين كبيرة اعتماداً على  أسس بول يوزِف غوبلز التي كانت تقوم على الاتهامات الباطلة والكذب وتكرار ذلك كثيراً حتى تضيع الحقيقة، وبالمناسبة حتى وإن لم ندافع لا عن الحزب ولا عن الأمين العام فإنه لن يُقال أي منا لا في الحزب ولا في الشبيبة لأننا لدينا ديمقراطية داخلية حقيقية.

أما وإذا كان أخنوش يظن أن العدالة والتنمية حائطاً قصيراً وأن بهجومه عليه وعلى الحكومتين اللتان ترأسهما سيكتسب شيئا من المصداقية المنعدمة والكاريزمية المفقودة  فإنني أهمس في أذنيه قائلاً  ’’فاقد الشيء لا يعطيه السي عزيز’’ وإذا لم تنفع معك دروس الكوتشينغ ومكاتب الدراسات والاستشارات الإنجليزية والأمريكية فلن تنفعك الإساءات المتكررة لحزب العدالة والتنمية، أما وإذا كان من معك يعتقدون أنهم بهذا الهجوم  سيحذفون من أذهان الناس أن العدالة والتنمية حزب ديمقراطي حقيقي، وأن الشعب أعطاه ما لم يعطه لأي حزب في تاريخ المغرب إلى اليوم، ولايتين حكوميتين متتاليتين وأكبر فريق برلماني، وما أنجزه من مشاريع وإصلاحات مهمة، سيأتي الوقت للتفصيل فيها بالأدلة والبرهان، فإن ذلك لن يكون لأنه لا يصح إلا الصحيح.

أخيراً وجب التذكير أنه منذ أجاب الأستاذ ابن كيران على ادعاءات أخنوش بالأدلة الدامغة والأرقام وسرد للوقائع وطرح عليه أسئلة مهمة بل ولقنَّه دروساً في العمل السياسي والحزبي والديبلوماسي وعلَّمه كيف يكون رجل دولة في “38 دقيقة”،  لم يستطع أخنوش إلى اليوم الخروج وإجابته وفضّل مرة كل 15 يوم إرغام من ينوب عنه للإجابة على ما تفضل به الزعيم ابن كيران، وهي الأجوبة التي لم تخرج عن إطار “السب والشتم” والإساءة الشخصية والتي لم ترقى بعدُ إلى مستوى الأسئلة من حيث المنهجية والأداء والأدلة والأرقام والوقائع والحقائق، وتبقى كلها أجوبة سفسطائية ودون المستوى.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.