محمد عصام يكتب: نكبة 8 شتنبر .. إعلان وفاة السياسة!!

محمد عصام

مرت سنة كاملة على انتخابات 8 شتنبر2021، ومر ما يكفي من الوقت لتقييم مخرجاتها، وإحصاء الخسائر التي تسببت فيها إرادة إفراغ السياسة من المعنى، وتغول منطق المال وتسخير الإدارة والعمل الإحساني للعبث بالإرادة الشعبية وتزييفها، وقبل ذلك التحكم في مخرجات العملية الانتخابية عبر سن قوانين وخلق إجراءات الهدف منها التحكم القبلي في النتائج وضبط مخرجات العملية برمتها. 
لسنا بمقام الندب والبكاء كما قد يتهمنا به البعض، ولكن النتائج التي يلمسها المواطن يوميا في معيشه اليومي، تؤكد بالملموس الذي لا يقبل الجدال أننا الآن نجني الثمرة الفاسدة لتلك المحطة التي أفرغتها الأيادي  العابثة من مضمونها السياسي،. 
اليوم نحن أمام حكومة لم يعد أحد يشك في عجزها الكامل عن مواجهة التحديات التي تلقي بظلالها على مستقبل البلد.. حكومة رافقتها منذ اليوم الأول لولادتها خطيئة تضارب المصالح، فتركت المواطنين فريسة لشجع شركات المحروقات تعيث فسادا وإحراقا لجيوبهم، ورغم الحملة الشعبية الرقمية الواسعة المطالبة برحيل رئيس الحكومة على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات، اختارت الحكومة الصمت ولاذت بحكمته، تاركة المواطنين “ليعوموا بحرهم”. 
ما قيل عن الحكومة يمكن قوله وزيادة عن الجماعات الترابية، إذ لا صوت يعلو على صوت الزبونية والقرابات، كما تهاوت أسطورة “الكفاءات” و”تستاهل أحسن” بصورة دراماتيكية. 
هذه المخرجات التي اختصرناها بهذا الشكل، هي نتيجة طبيعية لإرادة أصبحت مكشوفة، عززتها نتائج الانتخابات الجزئية في كل من الحسيمة ومكناس.. إرادة –  دعونا نقولها بكل وضوح- تزعجها الديمقراطية وتتوجس من مخرجاتها، و تعمل المستحيل لكبح الإرادة الشعبية والتحكم فيها. 
هذه الإرادة ليست طارئا على المشهد السياسي الوطني، فكلنا نتذكر مسيرة ولد زروال التي دُبر أمرها بليل، عشية انتخابات 4 شتنبر 2016، كما ما زلنا نتذكر مسلسل لي الذراع الذي امتد 6 أشهر كاملة فيما سمي إعلاميا بمرحلة البلوكاج، انتقاما من مخرجات العملية الديمقراطية التي لا تشتهيها سفن جهات معينة في انتخابات شتنبر 2016. 
وفي التاريخ السياسي المغربي أبدع الراحل محمد عابد الجابري عند حديثه عن القوة الثالثة، وكان يقصد بها ذلك المركب المصلحي الذي يخترق الإدارة والدولة، ويعاكس أي تقارب بين القوى الحية  للبلد والدولة، ويقدم نفسه مدافعا عن الدولة وعارفا بمصلحتها، هذه القوة الثالثة دون الحديث عن مكوناتها عبر التاريخ، هي من يصر الآن كما الأمس على جر المغرب إلى الوراء، وهي مدفوعة في ذلك بالحفاظ على مصالحها وتدعيم قربها من مربع القرار، واستثمار ذلك في مراكمة الثروة والنفوذ والسلطة. 
فمحطة 8 شتنبر هي محطة استعادت فيه هذه القوة ما خسرته منذ2011 ، مستفيدة من السياق الإقليمي والدولي الذي هيمنت عليه نزوعات نكوصية ودبت فيه رياح الخريف التي اقتلعت أزهار موجة الربيع التي أينعت سنة 2011، لكن هذه الاستعادة تمت بأسلوب فج لم يُكتف فيه  فقط “بتبليص” من هُيئت له كل الوسائل وعُبدت له الطريق لذلك، ولكن أيضا بمحاولة اقتلاع وإعدام حزب سياسي بامتداد اجتماعي لا تخطئه العين ويتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية. 
إن الحرب على العدالة والتنمية هي  في الأصل حرب على السياسة، كما كانت الحرب على أحزاب الحركة الوطنية في مراحل سابقة حربا على السياسة، فالاستقواء بآليات الضبط وتسخير الإدارة واستعمال المال في التحكم في مخرجات العملية الديمقراطية، هو استثمار  في إفراغ السياسة من معناها، بما يعنيه ذلك من نكوص وجر للبلاد نحو المجهول.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.