أسعار المحروقات… خيي: تقرير مجلس المنافسة فيه أفكار مريبة ومحاولة تطويع الأرقام لصالح شركة رئيس الحكومة

محمد خيي الخمليشي

اطلعت على رأي مجلس المنافسة الذي طال انتظاره، والذي يقدم من خلاله، للرأي العام وصناع القرار في البلاد، تفسيره لارتفاع أسعار البنزين والكازوال.
ابتداء، يمكن أن نسجل أن رأي المجلس، بخصوص هذا الموضوع المركب والشائك، جاء غنيا ومستندا في جزئه التحليلي على عدد من المعطيات والأرقام والجداول التوضيحية التي تشرِّح وضعية سوق المحروقات ما بعد مرحلة تحرير الأسعار، ومستثمرا بشكل جيد لخلاصات التقرير السابق لمجلس المنافسة بخصوص امكانية تسقيف اسعار المحروقات، وكذلك أيضا حسن استثماره للمعطيات الرسمية المتوفرة لدى ادارة الضرائب وإدارة الجمارك ومكتب الصرف ووزارة الطاقة الخ…
من خلال التحليل المالي والاقتصادي الذي قام به مجلس المنافسة لوضعية الفاعلين الكبار في مجال المحروقات في الفترة الممتدة من سنة 2018 الى غاية الثلث الاول من سنة 2022، استنتج أطر المجلس ما يلي:
– سجلت أرباح الشركات الكبرى، المستحوذة على سوق المحروقات بالمغرب، ارتفاعا فاحشا مقارنة بالسنوات السابقة.
–  سجلت هوامش أرباح بيع المحروقات في فترة الدراسة مستويات قياسية، تتراوح بين 1,25 درهم و1,45 درهم للتر الواحد، مستغلة اضطراب اسعار النفط الخام على المستوى الدولي.– الإقرار رسميا بغياب أو تعطيل المنافسة الحرة.
– تتصرف شركات المحروقات بنفس النهج و الطريقة التي كانت تتصرف بها في مرحلة التقنين قبل تحرير الأسعار.
في هذا الجزء من تقرير المجلس، الذي انتهى فيه إلى الاقرار بما سبق أن تم التنبيه إليه من جهات عدة في وقت  سابق، ورسميا منذ نشر خلاصات المهمة الاستطلاعية البرلمانية سنة 2018، وبغض النظر عن تأخر المجلس في الوصول الى هذه القناعات، الأمر الذي لم يكن مبررا بأي حال، فان طريقة “صياغة” بعض التفاصيل الرقمية أجد فيها محاولات واضحة لتطويع الارقام والمعطيات لتخدم فكرة مريبة تحوم حول تبرئة الفاعل الأكبر في سوق المحروقات المغربية من تهمة الاستحواذ واهتبال الازمة لمراكمة الثروة بسرعة أكبر، حيث سارع من يهمهم الأمر الى التقاط هذه الاشارات.
ورغم ذلك، فانه يمكن اعتبار “القناعات” والخلاصات التي رسَّمها تقرير/ رأي مجلس المنافسة المنشور للعموم أمر ايجابي في سياق مواجه جشع شركات المحروقات التي أبانت عن قدرات لا يمكن الاستهانة بها للتفوق على نفسها والتربع على عرش اثرياء الحروب والازمات …دعونا من ذلك، ولنتأمل فيما يمكن أن يحصل بعد هذا التقرير، ولنستحضر أن مجلس المنافسة هو المؤسسة الدستورية الوحيدة المكلفة بحراسة المنافسة كما هو معلوم، وله صلاحيات واسعة بمقتضى قانون 20.13، والتي تتجاوز مجرد ابداء الرأي إلى صلاحيات تقريرية وزجرية في مجال حماية حرية الأسعار والمنافسة الحرة.
ومن خلال ما تنص عليه المادة 2 من هذا القانون فإنه من الواضح أن المجلس يتمتع بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي كما هي معرفة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة (محاربة الاحتكار والاتفاقات المسبقة وعرقلة التداول الحر للأسواق ومختلف الظواهر المعرفة بمقتضى قانون 104.12 المنظم لحرية الأسعار والمنافسة).
هل نحن أمام واقع مؤسساتي يفرض الاكتفاء بمجرد “القول” الذي لا يتبعه أي عمل…؟ 
هل تكتفي مؤسسات الضبط والتقنين ومؤسسات الحكامة، المنصوص على صلاحياتها دستوريا، بمهمة إصدار تقارير ودراسات يُحتفى بها بضعة أيام ثم توضع على الرفوف كغيرها من الدراسات والوثائق التي تصدرها مراكز الدراسات…؟
انتظرنا طويلا تدخل مجلس المنافسة باعتباره “دركي للمنافسة” الذي يضبط ويزجر ويقرر ويغرّم (…)، لكنه أخذ وقته الكافي ليصدر “توصيات” مهمة وجميلة – سبقه إليها غيره ومنذ مدة طويلة نسبيا- تتعلق بإصلاح منظومة الدعم وصندوق المقاصة والحماية الاجتماعية والنجاعة الطاقية وتغيير المنظومة القانونية لاستيراد وتوزيع المحروقات وتخفيف شروط الترخيص للشركات وغيرها…
فهل معنى ذلك أن المجلس تخلى بشكل نهائي عن دوره التقريري والزجري بهدف تقويم الاختلالات مكتفيا بتقديم واجب النصح؟  وهل ينصاع “الكبار” الذين أمنوا العقوبة فتمادوا واستفحل جشعهم؟  هل يجدي نفعا تقديم توصيات؟ شخصيا، لا أعتقد ذلك.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.