في واجب الكلام وخطر الصمت

المحجوب لال

ما يزال حزب العدالة والتنمية، يحاول لملمة جراجه والوقوف على قدميه من جديد، عقب الضربة التي وُجهت له، والتي أريد لها أن تكون قاضية، غير أن استرجاع اللياقة يبدو صعبا، في ظل استمرار منطق “الغلبة” و”الانتقام” و”الاقصاء” التي تهمين على إدارة الشأن العام عقب انتخابات 8 شتنبر المعلومة.
تداعيات هذا الوضع كان من الطبيعي أن تكون كبيرة، وأن تدفع ببعض أعضاء الحزب إلى التساؤل عن المآل أو “ماذا بعد؟”، خاصة وأن حزبهم لم يقترف جريرة في حق الدولة والمجتمع حتى يقع له ما وقع، كما لم يكن عالة على البلاد خلال إدارته للشأن العام، بل أسدى خدمات جليلة، وقام بإصلاحات عميقة، في عدد من القطاعات، كان لها أكبر العائد، على الدولة نفسها وعلى المواطنين.
سؤال ما بعد سؤال مشروع، لاسيما وأن مؤشرات استمرار منطق إدارة انتخابات 8 شتنبر وما أعقبها ما تزال مستمرة، بدليل ما وقع في الانتخابات البرلمانية الجزئية، من ممارسات مخلة ومنافية للتنافس الشريف، ومن تدخل للسلطات في بعض الدوائر، ومن استعمال للمال الحرام في رشوة الناخبين، دون أن تقوم السلطة بما عليها في هذا الجانب.
لكن، بالعودة إلى مرجعية الحزب، نجد أن الهزيمة الانتخابية أو السياسية ليست سببا للتراجع أو الانسحاب، سواء أكانت هذه الهزيمة طبيعية أم مصطنعة، فالمكائد والأكاذيب والإشاعات المغرضة وغيرها من وسائل العرقلة، هي جزء من الممارسة السياسية لدى جهات متحكمة أو معارضة للإصلاح، بل إن هذه العراقيل دليل ملموس أن الحزب لم يدخل بعد تحت معطف السلطوية، ودليل أيضا أن له من إمكانات التأثير ما يكفي للإسهام في تغيير الأوضاع، مما يستدعي، من وجهة نظر المتحكمين، إبعاده وإرجاعه إلى نقطة الصفر أو البداية، ويضع على كاهل أبناء الحزب “المقاومة”.
لكن، لجهل المتحكمين بالتاريخ، نظرا لنشوتهم بالسلطة والغلبة، لا يدركون أن حزب العدالة والتنمية لن يرجع إلى نقطة البداية، بل سيعيد بناء نفسه على أساس تجربة حكومية دامت عشر سنوات، وعلى أساس معرفة كبيرة بكيفية صناعة القرار في الدولة، وعلى أساس رصيد كبير من الأفكار والمعلومات، التي ما كان بمقدوره معرفتها لولا مشاركته في تدبير الشأن العام خلال العشرية الماضية.
غير أن الانطلاق الجديد، يستوجب من أعضاء الحزب الوعي بأهمية الوقوف عند تلك التجربة، قراءة وبحثا واستشرافا للمستقبل، فهي ليست تجربة خاصة بالمغرب وبأبناء الحركة الإسلامية فيه، بل هي تجربة لكل أبناء الأمة نصيب وحق في معرفة تفاصيلها، نجاحاتها وانجازاتها، وأيضا مثبطاتها وعوائقها، وأخيرا آفاقها وانتظاراتها وتحدياتها.
والوعي بهذه المسؤولية، يستدعي من أعضاء الحزب، وخاصة من كان في مراكز قيادية، وطنية وجهوية وإقليمية، وفي تدبير الشأن العام والمشاركة فيه، حكوميا وبرلمانيا وترابيا، الوفاء لهذا التحدي، وجعل مخطط التحكميين ينقلب عليهم خيبة وخسارة، وألما وحسرة، بالعودة إلى الحياة السياسية، دفاعا وانتصارا للشعب والدولة، وفق ثوابت الدستور الجامعة.
والوعي بأهمية العودة والاستمرار والمقاومة، هو فعل يجد دافعه في المرجعية كما يجدها في الواجب الوطني، ذلك أن انسحاب أهل الفكر وحملة مشاريع الإصلاح والتغيير هو خيانة للمراجع النظرية التي أطرت أفكارهم وتحركاتهم، والتي، تستوجب منهم إعادة النظر في أدوات الاشتغال ومنطقه، وليس في الفكرة الأصل أو الأم، أي الإصلاح المتدرج ومن الداخل.
ولعل الظروف التي يعيشها البلد، وحالة الاحتقان التي نراها بأم العين، والفساد الذي باتت راياته مرفوعة وصوته مسموعا وكلمته مؤثرة، لتنبه إلى أن بلدنا، قد تواجه قلاقل سياسية بفعل العبث الذي يُدار به الشأن الحكومي من لدن الأغلبية الجديدة، وهذا التخوف، يتطلب من أعضاء الحزب، الاستمرار في تأطير المواطنين والوقوف إلى جانبهم، أليس من حقهم أن يجدوا في الوطن، نخبة تواكبهم وتُبين لهم مسارات الإصلاح، بما يحقق لهم مقصودهم الإصلاحي وطموحاتهم المشروعة، وفي الوقت ذاته، يحافظ على مكاسب بلدنا، تلك التي تتعرض للاستهداف من لدن الراغبين في توتير الأوضاع، بشكل مباشر وغير مباشر، وبالتصريح والتلميح، وعلى رأسها مؤسسته الملكية ومرجعيته الإسلامية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.